الأخبارالدولي

ماكرون يرفض الاعتراف بالمسؤولية السياسية.. الخناق يشتّد على فرنسا

تصنيف ائتماني متراجع وتوقعات باستمرار التشرذم السياسي

يشتد الخناق على السلطات الفرنسية وسط تشرذم سياسي وأزمة مالية واقتصادية يزيدها الغضب الاجتماعي المتصاعد تعقيداً مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع متسارع في أسعار الطاقة.

وأمام هذا الوضع، رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاعتراف بالمسؤولية السياسية للتدهور الذي تعيشه البلاد، وأرجع الغضب الشعبي والنقابي إلى تداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة وغلق مضيق هرمز ،التي كان اندلاعها بعيداً بمدة معتبرة عن الأزمة التي تعيشها فرنسا على أكثر من جبهة.

وروّج ماكرون لهذا المبرر خلال اجتماع عقده مع قادة الأحزاب والمرشحين للرئاسة، الخميس، حيث قال إن الأزمة الحالية ناجمة عن الوضع الجيوسياسي وليس عن قرارات حكومته، بينما تتعالى أصوات المحتجين من النقابات والمعارضة للمطالبة بمساعدات مالية أكبر للأسر والشركات، وتفضّل الحكومة تعديل آليات الدعم القائمة بدل فتح باب إنفاق واسع في ظل أزمة مالية خانقة واحتواء سريع لآثارها الاجتماعية قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية.

وفي تأكيد للتدهور المالي والاقتصادي في فرنسا، خفضت وكالة “Scope Ratings” للتصنيفات المالية والائتمانية تصنيف فرنسا طويل الأجل إلى (A+). وأرجعت الوكالة في تقريرها، أمس الجمعة، سبب التخفيض إلى التدهور المستمر في النظرة المالية المستقبلية، والذي يتسم بارتفاع عبء الدين العام الحكومي، واستمرار العجز المالي المرتفع، والتقدم المحدود في الإصلاحات الهيكلية وفشل الحكومة في تحقيق أهداف خفض العجز التي فرضتها، إضافة إلى غياب تدابير ذات مصداقية لتحقيق الاستقرار في مسار الدين على المدى المتوسط والارتفاع الحاد في عوائد السندات الحكومية.

واستندت الوكالة في خفض التصنيف الائتماني لفرنسا على توقعات باستمرار التشرذم السياسي الذي بدأ بحل الجمعية الوطنية في 2024 إلى ما بعد رئاسيات 2027. وجاء في تقرير “سكوب” أنه بغض النظر عن نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2027، من المرجح أن تواجه الحكومة المقبلة تحديات جسيمة في تأمين الدعم البرلماني لتدابير الضبط المالي والإصلاحات الهيكلية، وقالت إن وجود سلطة تشريعية مجزأة، وتوترات اجتماعية مرتفعة، وجمود في الإنفاق، وبيئة اقتصادية ضعيفة، يقلّل من آفاق الضبط المالي المستدام ويزيد من مخاطر الانحراف الإضافي في السياسات. ونتيجة لذلك، تظل قدرة فرنسا على استقرار مسار دينها العام على المدى المتوسط عرضة لقيود سياسية كبيرة.

التشرذم السياسي..نقطة ضعف رئيسية 

ويأتي تقرير وكالة “سكوب” بعد تقرير مماثل لوكالة “فيتش” قالت فيه إنها لا تتوقع أي تحسن في وضع الديون السيادية الفرنسية حتى عام 2027، وحذرت من أن العجز المالي المرتفع ومستويات الدين في فرنسا يؤثران في تصنيفها الائتماني. ورجحت الوكالة أن تبلغ نسبة العجز في الموازنة العامة الفرنسية نحو 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي، وأن ترتفع إلى 5.5% في عام 2027، وتظل عند 5.2% في عام 2028. وتتوقع الوكالة أن ترتفع ديون فرنسا لتصل إلى 122.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028، وأرجعت ذلك إلى عدم تغيير السياسات المالية الحالية في فرنسا.

ويشكّل التشرذم السياسي في فرنسا نقطة تتقاطع عندها التصنيفات السلبية للبلاد على اعتبار أنه نقطة ضعف رئيسة تؤثر في التصنيف الائتماني لفرنسا ويحد من قدرة السلطات على تحقيق تصحيح مالي مستدام، ويقلّل من إمكانية التنبؤ بمسار السياسات.

وتضع السياسات الحالية وتداعياتها السلبية على الأوضاع المالية والاقتصادية وحتى الاجتماعية في البلاد السلطات الفرنسية في قفص الاتهام، بالنظر إلى التأثيرات الكارثية لبعض الخيارات على مسار البلاد، على غرار ما يحدث في ملف أزمة الطاقة التي تعيشها فرنسا والانفجار الاجتماعي بسبب ارتفاع الأسعار خاصة أسعار الغاز.

وكانت رئيسة جمعية “فرنسا-الجزائر” والمرشحة للانتخابات الرئاسية قد أعابت على القيادة الفرنسية نهجها العدائي تجاه الجزائر وما نتج عنه من توترات انعكست على الداخل الفرنسي، منها ارتفاع أسعار الطاقة. وقالت في حوار سابق لقناة “الجزائر الدولية”: “نحن البلد الوحيد في أوروبا الذي لديه علاقات سيئة مع الجزائر”. وقارنت بالتحركات الدبلوماسية من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وسعيها إلى تطوير شراكاتها الاقتصادية مع الجزائر مقابل التراجع الفرنسي.

وفي السياق، قال الباحث بمعهد الأبحاث في العلاقات الدولية والاستراتيجية “إيريس”، سيباستيان أبيس، خلال تدخل على قناة “أل سي إي” للحديث عن ارتفاع أسعار الوقود: «مادام لا يمكننا التخلي عن الغاز والبترول، أظن أنه ليس في صالحنا أن ندخل في نزاعات مع أحد أكبر منتجي البترول والغاز في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأنا أتحدث عن الجزائر طبعاً”. يضاف إليه تقرير سابق لمعهد “مونتان” الذي كشف أن 600 مؤسسة فرنسية أغلقت أبوابها منذ بداية الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر، صيف 2024.

وتعيش فرنسا هدوء هَشّاً بعد موجة احتجاجات اجتماعية قادتها نقابات عديدة من أسلاك مختلفة، حيث علّق الصيادون الفرنسيون احتجاجاتهم ورفعوا الحصار عن عدد من الموانئ بعد حصولهم على وعود حكومية بدعم القطاع، مع تلويح بالعودة إلى التصعيد إذا لم تُترجم التعهدات إلى إجراءات ملموسة خلال الأيام المقبلة، والتي تتزامن مع التحضير لعرض قانون الموازنة 2027 وسط معارضة سياسية قوية تهدد بحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى