تقشّف وارتفاع الأسعار واحتقان اجتماعي.. ثلاثية تحاصر الحكومة الفرنسية
غداة إعلان وزارة المالية الفرنسية ارتفاع الدين العام هذه السنة إلى أعلى مستوى منذ عام 1995، مدفوعًا بعجز حاد في الموازنة، استيقظ الفرنسيون على زيادة جديدة في أسعار الوقود، في وقت يدفعون فيه فاتورة غاز أعلى بما يصل إلى ثلاثة أضعاف عن الألمانيين والإسبان، بينما تتعالى تحذيرات العارفين بخبايا المال والاقتصاد من وضع يهدد سيادة فرنسا.
وقالت رئيسة محكمة الحسابات الفرنسية، أميلي دي مونتشالين، وهي الهيئة المسؤولة عن مراقبة صحة الحسابات العامة، إن سيادة فرنسا مهددة إذا لم تحد من انفلات تكلفة فوائد الدين العام. وأضافت في مقابلة مع صحيفة “لو باريزيان”، أن فرنسا تقف أمام ما يُعتبر على الأرجح أهم خيار في تاريخ الجمهورية الخامسة فيما يتعلق بالمالية العامة. وأوضحت المتحدثة أن أعباء الفوائد على الديون الفرنسية ستبلغ 80 مليار يورو في 2026، وهو ما يفوق بكثير ميزانيات قطاعات التعليم والدفاع والعدل، وقالت: “هذا المبلغ يفوق بكثير ميزانية وزارة التعليم الوطني (65 مليارًا)، ويزيد بنسبة 40% عن ميزانية القوات المسلحة، ويبلغ ستة أضعاف ميزانية وزارة العدل”.
وأشارت رئيسة محكمة الحسابات إلى أن “الدين العام بلغ مستوى غير مسبوق في عام 2025، متجاوزًا الذروة التي سجلها خلال أزمة كوفيد-19 في عام 2020. نحن البلد الوحيد في أوروبا الذي يمر بهذه الحالة”. ووفقًا لأميلي دي مونتشالين، فإن تزايد الدين ليس أمرًا حتميًا، واستدلت بنجاح دول أخرى في وضع مشابه في تحقيق الاستقرار في ديونها، مثل ألمانيا وإيطاليا والبرتغال قبل خمسة عشر عامًا، وقالت: “لا يوجد أمر حتمي بالنسبة لفرنسا، شريطة أن تكون القرارات سريعة ومسؤولة”.
وتؤكد هذه التصريحات حقيقة مسؤولية صناع القرار في فرنسا عن الوضع المتدهور الذي آلت إليه البلاد وغياب أفق انفراجة قريبة. وعلى النقيض، تزداد الأزمة المالية والاقتصادية في فرنسا تعقيدًا بسبب ارتفاع مستمر في الأسعار أصبح يشكل وقودًا لاحتقان اجتماعي متصاعد. وارتفعت أسعار وقود الديزل في فرنسا، اليوم الأحد، إلى مستوى قياسي جديد. ووفق تحليل لوكالة الأنباء الفرنسية، ارتفعت أسعار وقود الديزل إلى 2,41 يورو (2,76 دولار) للتر الواحد، استنادًا للأسعار المعروضة اليوم في أكثر من 8700 محطة لتوزيع الوقود على موقع وزارة الاقتصاد، متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجّل السبت، بينما ارتفع سعر البنزين الخالي من الرصاص إلى أكثر من 2,17 يورو للتر، وهو أعلى من ذروة العام 2022.
ويأتي ارتفاع أسعار الطاقة بشكل مستمر وانعكاسها المباشر على الحياة اليومية للفرنسيين، وقد كشف “مؤشر تنقلات الحياة اليومية 2026” عن أزمة متصاعدة في قدرة الفرنسيين على تحمل تكاليف النقل؛ حيث يقع 17 مليون فرنسي (31% من السكان) تحت طائلة “هشاشة التنقل”، بزيادة مليوني شخص مقارنة بعام 2024، وهو الوضع الذي دفع إلى المطالبة بوضع خطة عاجلة لإنزال 5 ملايين سيارة كهربائية إلى الطرقات بحلول عام 2032، وفقًا للنائب في البرلمان الأوروبي عن الحزب الاشتراكي بيير جوفيه، الذي يرى أن هذه الأسعار أعلى بكثير من الأسعار التي أدت إلى اندلاع أزمة “السترات الصفراء”، في وقت تظل فيه الحكومات المتعاقبة منذ رئاسة إيمانويل ماكرون عاجزة عن تقديم إجابات أو استعادة زمام السيطرة.
تعبئة عامة وانفراجة بعيدة...
ولا يبدو استقرار الأوضاع في فرنسا قريبًا، بالنظر إلى توالي القرارات التي تمس حقوق الفرنسيين وحياتهم بشكل مباشر؛ حيث أكد وزير الإسكان فنسان جانبرون قرار تجميد المساعدات المخصصة للسكن – بمتوسط 219 يورو شهريًا لكل أسرة – العام المقبل، في إطار “مساهمة جماعية ضرورية” لخفض الإنفاق ضمن توجهات قانون الموازنة 2027 الذي سيكون تمريره في الجمعية الوطنية (البرلمان) مستعصيًا دون اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور بسبب غياب أغلبية حكومية منذ تشريعيات 2024.
وزير الإسكان الفرنسي، وتحسبًا لغضب اجتماعي قد ينجر عن هذا القرار، خاطب الفرنسيين قائلاً: “نطلب جهدًا صغيرًا من الجميع، في كل مكان تقريبًا لمكافحة الأزمة، مما يتيح إيجاد مساحة للمناورة لمبادرات أخرى”.
والأكيد أن قرار تجميد الإعانات المخصصة للسكن لن يكون الوحيد الذي سيخرج الفرنسيين إلى الشارع، بعدما أطلقت نقابات عمالية دعوة إلى التعبئة العامة يوم 29 سبتمبر الجاري للاحتجاج على الأزمات المتشعبة في البلاد؛ من المستشفيات، والنقل، وغلاء المعيشة، والتقشف في الميزانية الذي تقول حكومة سيباستيان لوكورنو إنه يستهدف “جهدًا” مالیًا بقيمة 54 مليار يورو، بما يعادل 62 مليار دولار، للحد من الزيادة في الإنفاق وتحقيق هدف خفض العجز إلى 5% في 2027.
نسيمة عجاج




