
احتفت وسائل الإعلام المغربية مؤخرا بتصنيف صادر عن البنك الإفريقي للتنمية وضع المغرب في صدارة الدول الصناعية بالقارة الإفريقية، وقدّمته باعتباره إنجازا تاريخيا يؤكد نجاح النموذج الاقتصادي الذي تتبناه الرباط. غير أن التدقيق في طبيعة هذه “الريادة الصناعية” يكشف صورة أكثر تعقيدا، ويطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الصناعة المغربية ومدى استقلاليتها وقدرتها على خدمة الاقتصاد والمجتمع المغربي.
فعلى الرغم من الترويج الواسع لهذا التصنيف، فإن الناتج المحلي الإجمالي للمغرب لا يزال بعيدا عن الاقتصادات الإفريقية الكبرى، إذ لا يتجاوز نحو 190 مليار دولار، متأخرا عن دول مثل الجزائر ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا. كما أن القطاع الصناعي لا يمثل سوى 17 بالمائة من الاقتصاد المغربي، ويشير العديد من المراقبين إلى أن ما يسمى “الصناعة المغربية” يعتمد بدرجة كبيرة على استثمارات ومصانع تابعة لمجموعات أجنبية اختارت المغرب كمنصة إنتاج منخفضة التكلفة وموجهة أساسا نحو التصدير إلى الأسواق الأوروبية.
ويبرز هذا الواقع بشكل واضح في قطاعي السيارات والطيران، اللذين يُقدمان عادة كرمزين للنجاح الصناعي المغربي. ففي الوقت الذي تحقق فيه صناعة السيارات أرقام معاملات مهمة، تبقى الملكية الفعلية لرؤوس الأموال والتكنولوجيا والقرارات الاستراتيجية بيد الشركات الأجنبية، بينما يقتصر نصيب المغرب في الغالب على توفير اليد العاملة والبنية التحتية والحوافز الضريبية.
أما قطاع الأسمدة، الذي يعد من أبرز الصناعات المغربية، فيثير بدوره جدلا متواصلا بسبب اعتماد إنتاجه على الفوسفات المستخرج من الصحراء الغربية المحتلة في اعتداء صارخ على القانون الدولي. ورغم الخطاب الرسمي حول التصنيع، فإن مساهمة الصناعة في تشغيل اليد العاملة المغربية تبقى محدودة. فحوالي 12 بالمائة فقط من السكان النشطين يعملون في القطاع الصناعي، مقابل نحو 26 بالمائة في القطاع الزراعي. وهو ما يعكس مفارقة لافتة تتمثل في أن التوسع الصناعي المعلن لم ينعكس بالشكل المتوقع على سوق العمل.
وتؤكد تقارير دولية أن أزمة التشغيل في المغرب تفاقمت خلال العقود الأخيرة. فبحسب معطيات البنك الدولي، ارتفع عدد فرص العمل المفقودة أو غير المتوفرة بشكل كاف من نحو 138 ألف وظيفة سنويا في بداية عهد الملك محمد السادس إلى ما يقارب 370 ألف وظيفة خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024، ما يسلط الضوء على محدودية قدرة النموذج الاقتصادي الحالي على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل. وتبرز نقطة ضعف أخرى تتمثل في الاعتماد الكبير على أوروبا، سواء كمصدر للاستثمارات أو كوجهة رئيسية للصادرات المغربية.
ويعترف الفاعلون الاقتصاديون داخل المغرب أنفسهم بهذه الإشكالية، حيث أشار تقرير للاتحاد العام لمقاولات المغرب إلى ضعف حضور رأس المال المغربي في قطاعي السيارات والطيران، إذ لا تتجاوز مساهمته 6 بالمائة في صناعة السيارات و4 بالمائة فقط في قطاع الطيران. هذا الارتباط الوثيق بالاقتصاد الأوروبي يجعل المغرب شديد التأثر بالتقلبات الخارجية. ولذلك يردد خبراء اقتصاديون مقولة مفادها أن “المغرب يسعل عندما تصاب أوروبا بالزكام”، في إشارة إلى هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على التصدير والتبعية للأسواق الأوروبية.
ولا يقتصر الأمر على الصناعة وحدها، بل يمتد إلى قطاعات السياحة والفلاحة والخدمات التي تعتمد بشكل شبه كامل على الشركات الأوروبية. وقد ظهر هذا الاعتماد بوضوح عقب تبني فرنسا قانونا جديدا ينظم عمليات التسويق الهاتفي عن بعد، وهو إجراء قد يؤدي إلى فقدان عشرات الآلاف من الوظائف في المراكز الموجودة بالمغرب والتي تعمل أساسا لصالح شركات أوروبية. وفي ضوء هذه المعطيات، يرى كثيرون أن الحديث عن “أول قوة صناعية في إفريقيا” يحتاج إلى قراءة أكثر توازنا. فالتصنيع الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات، بل أيضا بقدرة الاقتصاد على خلق الثروة الوطنية، وتوطين التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل المستدامة، وتقليص التبعية للخارج. وهي تحديات لا تزال مطروحة بقوة أمام النموذج الاقتصادي المغربي رغم كل الأرقام والشعارات التي تروج له.




