الأرقام تفضح المخزن.. 78.3 بالمائة من الأسر المغربية تُؤكد تدهور مستوى معيشتها

لم تعد مؤشرات الأزمة في المغرب مجرد تقديرات تصدر عن جهات خارجية أو تقارير دولية، بل أصبحت تصدر من داخل المؤسسات الرسمية المغربية نفسها. فقد كشفت نتائج البحث الدائم بشأن الظرفية لدى الأسر، الصادر عن المندوبية المغربية السامية للتخطيط، عن صورة قاتمة للوضع الاجتماعي والاقتصادي، تعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطن والسياسات العمومية، وتفضح هشاشة الخطاب الرسمي الذي يواصل تسويق رواية “الاستقرار والازدهار”.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن 78.3 بالمائة من الأسر المغربية أكدت تدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، في مقابل 5.2 بالمائة فقط رأت أن أوضاعها تحسنت، وهو ما دفع رصيد مؤشر تقييم مستوى المعيشة إلى الانحدار نحو ناقص 73.1 نقطة، في واحد من أكثر المؤشرات دلالة على عمق الأزمة الاجتماعية.
ولم يقتصر التشاؤم على تقييم الماضي، بل امتد إلى المستقبل، إذ يتوقع 51 بالمائة من الأسر استمرار تدهور مستوى المعيشة خلال السنة المقبلة، بينما يتوقع أكثر من 57 بالمائة ارتفاع معدلات البطالة، في اعتراف جماعي بانعدام الثقة في قدرة السياسات الاقتصادية على وقف نزيف القدرة الشرائية أو خلق فرص العمل.
وتعكس المؤشرات المالية حجم الضغوط التي تعيشها الأسر المغربية، حيث صرحت 38.7 بالمائة بأنها اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها، في حين لم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.6 بالمائة، وهو رقم يكشف ضيق هامش الأمان المالي لدى غالبية المواطنين.
كما تؤكد الأرقام استمرار موجة الغلاء، إذ بلغ رصيد آراء الأسر بشأن تطور أسعار المواد الغذائية ناقص 97 نقطة، وهو مستوى يعكس إجماعًا شبه كامل على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، بينما بقيت توقعات القدرة على الادخار خلال الفترة المقبلة غارقة في المنطقة السلبية، مع تسجيل رصيد بلغ ناقص 80.9 نقطة.
أما مؤشر ثقة الأسر، الذي يعد من أبرز المقاييس المعتمدة لتقييم المزاج الاقتصادي والاجتماعي، فقد تراجع إلى 60.1 نقطة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعدما كان عند 64.4 نقطة في الفصل السابق، وهو ما يعكس تآكلًا متواصلًا في ثقة المواطنين بمستقبلهم الاقتصادي.
وتبرز هذه الأرقام تناقضًا صارخًا بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الإنجازات والإصلاحات، وبين واقع اجتماعي ترسمه المؤسسات المغربية نفسها، حيث تتراجع القدرة الشرائية، وتتسع دائرة القلق من البطالة، وتتآكل المدخرات، فيما تصبح السلع الأساسية أكثر كلفة بالنسبة لغالبية الأسر.
وفي المحصلة، لا تكشف هذه المؤشرات مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والسياسات العمومية. فعندما تعترف مؤسسة رسمية بأن أغلبية الأسر ترى أن مستوى معيشتها يتدهور، وأن الادخار أصبح حلمًا بعيد المنال، وأن البطالة والغلاء مرشحان لمزيد من الارتفاع، فإن ذلك يضع الرواية الرسمية أمام اختبار صعب، ويؤكد أن لغة الأرقام أصبحت أكثر بلاغة من أي خطاب سياسي، وأن الواقع المعيشي بات أكبر تحدٍّ يواجه نظام المخزن.




