من نكبة 1948 إلى نكبة التطبيع.. بين خسارة الأرض ومحاولة خسارة الوعي
لم تكن النكبة الفلسطينية التي وقعت في 1948 حدثًا عابرًا يمكن أن تطويه السنوات أو تضعفه تبدلات الأجيال. فالنكبة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل زلزال سياسي وحضاري ما تزال ارتداداته تضرب العالم العربي حتى اليوم. إنها اللحظة التي اقتُلع فيها شعب من أرضه، ودُمّرت 531 قرية ومدينة فلسطينية، وشُرّد نحو 800000 فلسطيني، وأُقيم كيان استيطاني على أنقاض وطن كامل.
في 15 ماي 1948، وبعد إعلان قيام دولة الاحتلال، دخلت الجيوش العربية فلسطين في مواجهة غير متكافئة مع تنظيمات صهيونية كانت قد أعدّت نفسها عسكريًّا وسياسيًّا وماليًّا منذ عقود. وتشير التقديرات إلى أن الوكالة اليهودية استطاعت حشد نحو 81000 مقاتل، كثير منهم اكتسبوا خبرات عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، في ظل دعم دولي وتفاهمات استراتيجية مهّدت لفرض واقع جديد في المنطقة.
لكن جذور المأساة تعود إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة. ففي 1917 صدر وعد بلفور، ذلك الوعد الشهير الذي منح بموجبه طرف لا يملك أرضًا لشعب آخر لا يملك حقًّا فيها. وقبل ذلك، كانت اتفاقية سايكس بيكو في 1916 قد رسمت خرائط النفوذ الاستعماري في المشرق العربي، لتصبح فلسطين جزءًا من مشروع دولي لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى.
أحدثت النكبة صدمة هائلة في العالم العربي. فسقطت أنظمة، وتبدلت تحالفات، وأصبحت القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية. وارتفعت الآمال بتحرير فلسطين، لكن هزيمة 1967 عمّقت الجرح العربي بعد احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان.
ثم جاء انتصار 1973 الذي أعاد شيئًا من الثقة، غير أن ثماره السياسية أُهدرت لاحقًا، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة اتسع فيها الاستيطان وتراجعت فيها آمال التسوية العادلة.
ورغم كل التحولات، ظلت فلسطين معيارًا أخلاقيًّا وسياسيًّا لشرعية الأنظمة ومصداقية الخطابات. غير أن أخطر ما برز في العقود الأخيرة لم يكن الاحتلال وحده، بل محاولات إعادة كتابة التاريخ وتبني الرواية الصهيونية، وكأن المطلوب من العرب أن ينسوا أن فلسطين اغتُصبت بالقوة، وأن الضحية مطالبة بالاعتذار لجلادها.
لقد استُخدمت أحداث الحرب العالمية الثانية لتبرير اقتلاع شعب من أرضه. وباسم التعويض التاريخي، تحولت فلسطين إلى مسرح لواحدة من أطول المظالم السياسية والإنسانية في العصر الحديث. ثم جرى تصوير كيان الاحتلال في الخطاب الغربي على أنه نموذج للديمقراطية والتقدم، مع تجاهل الطابع العنصري للمشروع الصهيوني وما ارتكبه من مجازر وتهجير.
وفي مرحلة لاحقة، لم يعد الهدف مجرد فرض الأمر الواقع، بل السعي إلى تطبيع الوعي ذاته. فظهرت أعمال إعلامية وخطابات سياسية تحاول تهيئة الرأي العام العربي لقبول الاحتلال بوصفه أمرًا طبيعيًا، وإعادة تقديم المعتدي باعتباره شريكًا، بينما يُطلب من الفلسطيني أن يتخلى عن ذاكرته وحقوقه وروايته التاريخية.
هنا تتجلى “نكبة التطبيع”. فهي ليست معاهدة سياسية فحسب، بل محاولة لمحو الذاكرة الجماعية، وتفكيك البعد الأخلاقي للقضية الفلسطينية، وتحويل الاحتلال من جريمة مستمرة إلى واقع مقبول. إنها انتقال من خسارة الأرض في 1948 إلى محاولة خسارة الوعي في الزمن الراهن.
ومع تصاعد الاستيطان، ومخططات الضم، والحصار، والتهجير، يتأكد أن الصراع لم ينتهِ، وأن فلسطين ما تزال عنوانًا للحق التاريخي والقانوني والإنساني. كما يتأكد أن التطبيع، حين يتحول إلى تبنٍّ لرواية المحتل وتجاهل لمعاناة الشعب الفلسطيني، يصبح تدليسًا على التاريخ قبل أن يكون خيارًا سياسيًّا.
من نكبة 1948 إلى نكبة التطبيع، يبقى الدرس واحدًا: إن الحق لا يسقط بالتقادم، والذاكرة لا تُشطب بالاتفاقيات، والشعوب التي تحفظ تاريخها لا تتخلى عن قضاياها العادلة. وستظل فلسطين، رغم كل محاولات الطمس والتشويه، قضية حرية وكرامة وهوية، وامتحانًا دائمًا لضمير الأمة.
لطيفة نايلي




