الشرق الأوسط

في ذكرى النكبة.. كيف نفذ ملحدون ”الوعد الإلهي” المزعوم في أرض فلسطين؟

في 15 ماي من كل عام، تعود ذكرى النكبة الفلسطينية لتذكّر العالم بإحدى أكبر المآسي السياسية والإنسانية في القرن 20، حين أُقيم كيان استيطاني على أرض فلسطين بعد تهجير شعبها وتدمير مدنه وقراه. وفي هذه المناسبة، يبرز سؤال تاريخي بالغ الأهمية: كيف استطاع قادة علمانيون، بل إن كثيرًا منهم لم يكونوا متدينين أصلًا، أن يقيموا مشروعًا سياسيًّا كاملًا باسم “وعد إلهي” مزعوم؟

لفهم هذه المفارقة، لا بد من العودة إلى أوروبا في القرن 19، حيث شهدت القارة تحولات عميقة رافقت نشوء الدولة القومية الحديثة. فقد أصبحت الأمة أساس الشرعية السياسية، وأضحى لكل مشروع قومي طموح؛ أرض محددة وحدود واضحة ودولة ذات سيادة. وفي الوقت نفسه، انتشرت الأفكار العلمانية والليبرالية، وتراجع دور الدين في المجال العام، بينما توسعت المشاريع الاستعمارية الأوروبية في آسيا وإفريقيا والعالم العربي.

في هذا السياق ظهرت الصهيونية باعتبارها حركة سياسية حديثة سعت إلى إعادة تعريف اليهودية وفق المفاهيم القومية الأوروبية. فاليهود، الذين كانوا جماعات دينية متفرقة في أنحاء أوروبا، أُعيد تقديمهم بوصفهم “شعبًا” واحدًا يحتاج إلى “وطن قومي” ودولة مستقلة. وهكذا تحولت الهوية الدينية إلى هوية قومية ذات مشروع سياسي واضح.

وكان من أوائل المنظرين لهذه الفكرة موشيه هس، الذي نشر عام 1862 كتاب “روما والقدس”، ورأى في فلسطين موقعًا استراتيجيًّا يمكن أن يشكل قاعدة لمشروع سياسي يهودي في قلب المشرق. ثم ظهرت جمعيات “أحباء صهيون” في روسيا وأوروبا الشرقية، فدعت إلى الهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي وإقامة المستعمرات الزراعية.

وفي عام 1890، صاغ ناثان بيرنباوم مصطلح “الصهيونية”، ليعطي لفكرة “العودة إلى صهيون” مضمونًا سياسيًّا وقوميًّا. وبعد ذلك، نشر تيودور هرتزل عام 1896 كتاب “الدولة اليهودية”، الذي وضع فيه تصورًا عمليًّا لإقامة دولة لليهود في فلسطين. ورغم أن هرتزل كان علمانيًّا ولم يكن يسعى إلى إنشاء دولة دينية، فإنه أدرك أن فكرة “أرض الميعاد” تمتلك قوة رمزية كبيرة يمكن توظيفها في تعبئة اليهود وحشد الدعم للمشروع الصهيوني.

وفي مؤتمر بازل عام 1897، تأسست المنظمة الصهيونية العالمية، ووُضع البرنامج السياسي للحركة. وقد كتب هرتزل في مذكراته عبارته الشهيرة: “في بازل وضعت أسس الدولة اليهودية”. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الصهيونية تتحول إلى مشروع منظم يعتمد على الدبلوماسية والتمويل والهجرة والاستيطان.

لكن المشروع الصهيوني لم يكن منفصلًا عن البيئة الاستعمارية الأوروبية، بل كان جزءًا منها. فقد نظر قادته إلى الدولة اليهودية بوصفها قاعدة متقدمة للمصالح الغربية في الشرق. ولهذا وجدت الصهيونية دعمًا متزايدًا من القوى الكبرى، وخاصة بريطانيا، التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، مانحةً الحركة الصهيونية دعمًا سياسيًّا رسميًّا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

بعد ذلك، تسارعت الهجرات المنظمة، وأُنشئت المؤسسات المالية والاستيطانية، وشُكلت العصابات المسلحة التي تولت فرض المشروع بالقوة. وفي عام 1948 وقعت النكبة الفلسطينية، حيث دُمّرت 531 قرية ومدينة، وشُرّد نحو 800000 فلسطيني، وأُقيم كيان للاحتلال على أنقاض مجتمع فلسطيني متجذر في أرضه.

تكشف النكبة الفلسطينية أن ما جرى لم يكن تحقيقًا لوعد سماوي، بل مشروعًا سياسيًّا استيطانيًّا استخدم الخطاب الديني بوصفه أداة تعبئة وشرعنة. فقد لجأ ملحدون علمانيون إلى توظيف رموز دينية لإضفاء طابع تاريخي وأخلاقي على مشروعهم، بينما كان الهدف الحقيقي إقامة دولة قومية تخدم رؤية استعمارية مدعومة من القوى الكبرى.

وبعد أكثر من 78 عامًا، ما تزال النكبة حدثًا مستمرًّا في الذاكرة والواقع الفلسطيني. وهي تذكّر بأن أخطر المشاريع السياسية هي تلك التي توظف الرموز المقدسة لتبرير اقتلاع الشعوب من أرضها، وأن فلسطين ستبقى قضية تاريخ وحقوق وهوية، مهما طال الاحتلال ومهما تعددت محاولات شرعنته.

لطيفة نايلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى