صفعة جديدة من جنيف… الأمم المتحدة تفضح ماكينة التعذيب المغربية ضد الأسرى الصحراويين

في كل مرة يحاول فيها الاحتلال المغربي تسويق صورته كـ”نموذج للاستقرار” و”دولة تحترم الحقوق”، تأتي المؤسسات الأممية لتصفعه بالحقيقة العارية… حقيقة السجون المظلمة، والزنازين الانفرادية، والأجساد الصحراوية التي تحولت تحت التعذيب إلى شهادات حية على سقوط كل أقنعة الدعاية الرسمية.
فمن قلب جنيف، لم تكن الكلمات هذه المرة مجرد ملاحظات دبلوماسية عابرة، بل كانت إدانة ثقيلة بوزن التاريخ، حين أعلنت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أن ما يتعرض له الأسرى السياسيون الصحراويون داخل سجون الاحتلال المغربي ليس تجاوزات فردية ولا أخطاء معزولة، وإنما “نمط هيكلي وثابت” قائم على التعذيب الممنهج وانتزاع الاعترافات بالقوة، ثم تحويلها إلى أحكام جاهزة داخل محاكم تفتقر لأبسط شروط العدالة.
إنها ليست مجرد فضيحة حقوقية… بل انهيار كامل للرواية التي حاول المخزن لعقود تصديرها إلى العالم.
القضية التي فجرت هذه الإدانة الأممية تعود إلى معتقلي مخيم “أكديم إزيك”، ذلك المخيم السلمي الذي تحول منذ سنوات إلى رمز عالمي للمقاومة الصحراوية المدنية ضد التهميش والقمع والإفقار الممنهج. هؤلاء الأسرى، الذين كان ذنبهم الوحيد أنهم رفعوا صوتهم مطالبين بالكرامة والحقوق، تعرضوا – بحسب ما وثقته اللجنة الأممية – لأبشع أشكال التنكيل الجسدي والنفسي.
تعرض الأسرى السياسيون الصحراويون، بحسب ما وثقته لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، إلى سلسلة مروعة من الانتهاكات الوحشية داخل سجون الاحتلال المغربي، شملت الضرب المبرح، والحرق بأعقاب السجائر، وتعليق المعتقلين لساعات طويلة في أوضاع مهينة تحط من الكرامة، إضافة إلى جلدهم بقضبان حديدية على باطن القدمين عبر أسلوب “الفلقة” المعروف بقسوته، فضلا عن تهديدهم بالاغتصاب، وحرمانهم من الطعام والعلاج والرعاية الطبية، وإخضاعهم للعزل الانفرادي في ظروف قاسية هدفها تحطيمهم نفسيا قبل إنهاكهم جسديا، في ممارسات وصفتها الهيئة الأممية بأنها جزء من نمط ممنهج وهيكلي للتعذيب والترهيب.
هذه ليست مشاهد من سجون القرون الوسطى، بل ممارسات قالت لجنة الأمم المتحدة إنها جرت داخل مؤسسات يفترض أنها خاضعة لالتزامات دولية وقانونية واضحة. الأخطر من ذلك أن الضحايا أُجبروا تحت وطأة التعذيب والرعب على توقيع محاضر لا يعرفون محتواها، لتتحول تلك الاعترافات المنتزعة بالقوة إلى أدلة جاهزة تصدر على أساسها أحكام ثقيلة وصلت إلى المؤبد.
وهنا تتكشف الفضيحة الأكبر:
المنظومة القضائية التابعة للاحتلال لم تتحرك لحماية الضحايا، بل تحولت – وفق ما يفهم من خلاصات اللجنة – إلى جزء من آلية القمع نفسها. قضاة التحقيق تجاهلوا آثار التعذيب، والادعاء العام رفض فتح تحقيقات مستقلة، بينما تم حرمان المعتقلين من فحوص طبية نزيهة ومن التواصل الحر مع محاميهم وعائلاتهم.
لهذا جاءت كلمات نائب رئيس اللجنة، بيتر فيدل كيسينغ، شديدة الوضوح حين اعتبر أن هذا التجاهل يمثل تهديدا خطيرا للحظر المطلق للتعذيب، ويكشف أزمة بنيوية داخل المنظومة المغربية نفسها.
إن أخطر ما في القرار الأممي ليس فقط توصيف الانتهاكات، بل الاعتراف بأن التعذيب داخل الصحراء الغربية المحتلة ليس حادثا عرضيا، وإنما سياسة متكررة تستخدم لشرعنة القمع وإنتاج الإدانات القضائية الجاهزة. وهذا يعني أن العالم لم يعد يتحدث عن ادعاءات أو مزاعم، بل عن مسؤولية دولة كاملة أمام القانون الدولي.
ولذلك طالبت لجنة مناهضة التعذيب المغرب بشكل صريح باتخاذ إجراءات عاجلة وفورية، تبدأ بفتح تحقيق مستقل وفق “بروتوكول إسطنبول”، ومحاسبة المتورطين، ومراجعة الأحكام الصادرة بحق الأسرى الصحراويين، وصولا إلى تعويض الضحايا وضمان حقهم في العلاج والتواصل مع ذويهم دون ترهيب أو انتقام.
إنها صفعة سياسية وقانونية مدوية، لأن الإدانة هذه المرة لا تأتي من خصوم سياسيين أو منظمات تضامن، بل من هيئة أممية رسمية مختصة، تمتلك الشرعية القانونية والأخلاقية لتقييم مدى احترام الدول لالتزاماتها الدولية.
ومع كل تقرير أممي جديد، يتأكد أن قضية الصحراء الغربية لم تعد مجرد نزاع سياسي مؤجل، بل أصبحت أيضا ملفا حقوقيا ثقيلا يطارد الاحتلال المغربي في المحافل الدولية، ويكشف أن القمع لا يستطيع دفن حقيقة شعب يواصل المطالبة بحقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير.




