الثقافةالجزائر

لماذا تتكرر هجمات مرتزقة المخزن على الأجنحة الجزائرية؟

محاولات هستيرية مغربية تستهدف التراث الجزائري في المحافل الدولية

لم تعد الاعتداءات المتكررة على الأجنحة الجزائرية في المعارض الدولية مجرد حوادث معزولة أو مشادات عابرة يمكن تفسيرها بالحماس أو التنافس الثقافي، بل تحولت مع الوقت إلى سلوك متكرر يكشف حالة من الهوس المرضي بكل ما هو جزائري، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتراث والهوية والنجاحات الثقافية التي تحققها الجزائر في المحافل الدولية.

ما حدث داخل مقر منظمة اليونسكو خلال فعاليات “أسبوع إفريقيا 2026” لم يكن مجرد فوضى داخل معرض ثقافي، بل اعتداء موثق بالصوت والصورة على عارضين جزائريين جاؤوا لتمثيل بلدهم والتعريف بموروثه الحضاري العريق. فجأة تحولت تظاهرة يفترض أنها فضاء للحوار والتقارب بين الشعوب إلى ساحة استفزاز وتهديد وعنف لفظي وجسدي، بعدما هاجم مرتزقة المخزن العارضين الجزائريين، ووجهوا تهديدات مباشرة لنساء يرتدين الزي التقليدي الجزائري، في مشهد صادم داخل مؤسسة أممية يفترض أن تحمي الثقافة لا أن تشهد الاعتداء عليها.

ولذلك جاء رد السفارة الجزائرية بفرنسا حازماً حين وصفت ما حدث بأنه اعتداء شنيع يتناقض كليا مع قيم اليونسكو ورسالتها الحضارية. كما أكدت أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الاستفزازات المتكررة، معلنة اتخاذ كل الإجراءات القانونية اللازمة لحماية الرعايا الجزائريين وملاحقة المتورطين.

لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا تتكرر هذه الاعتداءات تحديدا كلما تعلق الأمر بجناح جزائري؟

الجواب يكمن في حقيقة أصبحت واضحة للجميع: الجزائر نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحقيق اختراقات دولية مهمة في ملف التراث الثقافي، سواء عبر تثبيت تسجيل اللباس التلمساني التقليدي ضمن قوائم التراث غير المادي، أو عبر الاعتراف الدولي بالقفطان كجزء أصيل من التراث الجزائري، إضافة إلى تثمين أزياء الشرق الجزائري الكبير والقندورة والملحفة واللحاف ضمن ملفات موثقة لدى اليونسكو.

هذه النجاحات الثقافية لم تكن مجرد مكاسب رمزية، بل شكلت ضربة قوية لمحاولات الاستيلاء على عناصر من الهوية الجزائرية وتسويقها خارج سياقها التاريخي الحقيقي. ولهذا لم يعد مستغربا أن تتحول المعارض الدولية إلى ساحات توتر كلما برز الحضور الجزائري بقوة، خاصة عندما يلقى إعجابا واسعا من الزوار والجاليات الأجنبية.

ما جرى في معرض باريس الدولي قبل أسابيع كان مؤشراً واضحا على هذا التوجه، حين حاول بعض مرتزقة المخزن التشويش على الجناح الجزائري ونسب البلوزة الوهرانية والقفطان إلى التراث المغربي، قبل أن يتم فضح تلك المحاولات وإخراج أصحابها من فضاء العرض وسط حالة من الإحراج الكبير. والمفارقة أن هذه التصرفات لم تؤد إلا إلى نتيجة عكسية، إذ دفعت أفراد الجالية الجزائرية إلى التوافد بقوة دعماً لجناح بلدهم، في مشهد جسد روح التضامن والدفاع عن الهوية الوطنية.

الأمر نفسه تكرر سابقا مع الشاف الجزائرية شهرزاد، التي تعرضت لحملات تشويه بسبب تقديم أطباق جزائرية تقليدية مثل “السلو”، في محاولة أخرى لمصادرة الموروث الجزائري حتى في تفاصيله الغذائية والمطبخية.

إن ما يحدث اليوم يكشف معركة أعمق من مجرد خلاف حول لباس أو طبق تقليدي؛ إنها معركة ذاكرة وهوية وتاريخ. الجزائر تدخل هذه المعركة بوثائق وملفات وتسجيلات رسمية داخل المؤسسات الدولية، بينما يلجأ الطرف الآخر إلى الصراخ والاستفزاز ومحاولات التشويش الميداني كلما خسر جولة الاعتراف الدولي.

وربما لهذا السبب بالذات، تبدو الهجمات على الأجنحة الجزائرية وكأنها رد فعل غاضب على نجاح دبلوماسية ثقافية جزائرية بدأت تفرض نفسها بقوة داخل المنظمات الدولية، وتعيد تثبيت حقائق تاريخية حاول البعض طمسها لسنوات.

فالتراث لا ينتزع بالصراخ داخل المعارض ولا بالتهجم على الغير…
ولا يسرق بالاستفزازات والتهديدات…
بل يحسم بالتاريخ، والتوثيق، واعتراف المؤسسات الدولية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى