
أشرف الوزير الأول الجزائري سيفي غريب، رفقة نظيره النيجري علي محمد لمين زين،اليوم، على مراسم الانطلاق الرسمي لأشغال حفر البئر الاستكشافية «كفرا جنوب شرق 1»، في خطوة وصفها ”بأنها لبنة جديدة في مسار الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر والنيجر، ومرحلة تمهيدية لتطوير واستغلال الإمكانات النفطية لحقل كفرا.”
وأكد سيفي غريب، في كلمة ألقاها بالمناسبة، أن زيارته إلى النيجر جاءت بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مشيراً إلى أن تواجده مجدداً في النيجر يعكس عمق العلاقات التي تجمع البلدين، ونقل بالمناسبة تحيات الرئيس تبون إلى قيادة وحكومة وشعب النيجر، متمنياً للبلاد مزيداً من الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار.
وقال الوزير الأول إن إطلاق أشغال حفر البئر يأتي بعد شهرين وعشرة أيام من تدشين محطة توليد الكهرباء في العاصمة نيامي، معتبراً أن الحدثين يشكلان محطتين متتاليتين في تجسيد الرؤية الاستراتيجية التي أسس لها الرئيس عبد المجيد تبون ونظيره النيجري عبد الرحمان تياني.
وأوضح غريب أن هذه الرؤية جرى تحويلها إلى مخطط تنفيذي عقب انعقاد الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة الجزائرية-النيجرية في مارس الماضي، مشيراً إلى أن مشروع كفرا يدخل اليوم مرحلة جديدة من خلال الشروع في عمليات استكشاف معمقة تهدف إلى تحسين معرفة الإمكانات النفطية للحقل، تمهيداً لمرحلتي التطوير والإنتاج.
استكشاف يمهد للتطوير والإنتاج
وبحسب الوزير الأول، يُنتظر أن تتيح نتائج عمليات الاستكشاف آفاقاً جديدة أمام المشروع، بما يسمح للنيجر بتثمين مواردها الطبيعية وتعزيز إنتاجها الوطني من المحروقات.
وأشار غريب إلى أن بلوغ مرحلة الحفر لم يكن مهمة سهلة، بالنظر إلى التعقيدات الميدانية والظروف الطبيعية القاسية والصعوبات اللوجستية التي رافقت المشروع، مؤكداً أن تعبئة آلة الحفر «ENF-13»، التي تبلغ طاقتها 2000 حصان، ونقلها من الجزائر إلى موقع كفرا، شكّلا تحدياً لوجستياً كبيراً وإنجازاً تقنياً مهماً.
كما أثنى على جهود المسؤولين والخبراء والمهندسين والتقنيين والشركاء الذين ساهموا في التحضير للمشروع، موجهاً الشكر إلى السلطات المدنية والعسكرية الجزائرية والنيجرية التي رافقت المؤسسة الوطنية للتنقيب «ENAFOR» وسوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج «SIPEX»، إلى جانب الشركة الوطنية النيجرية للبترول «SONIDEP».
وفي المقابل، شدد غريب على ضرورة إيلاء أقصى درجات العناية لسلامة العمليات وحماية البيئة وجودة الأشغال واحترام المعايير المهنية طوال فترة تنفيذ المشروع.
شراكة تتجاوز حقل كفرا
وأكد الوزير الأول أن مشروع كفرا يمثل ثمرة لشراكة متعددة الأوجه بين مجمع سوناطراك و«SONIDEP»، تشمل البحث والاستكشاف والتطوير والإنتاج، إلى جانب خدمات الحفر والتكرير والبتروكيمياء وتوزيع وتسويق المنتجات البترولية، فضلاً عن التكوين ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.
وكشف في هذا السياق عن مجالات أخرى للتعاون، من بينها مرافقة مجمع سوناطراك للشركة النيجرية في تسويق النفط الخام، وتعزيز خبرات إطاراتها وقدراتهم التفاوضية من أجل تثمين الموارد البترولية للنيجر.
كما أشار إلى انخراط الجزائر في أشغال الصيانة الكبرى لمصفاة زندر، ومواصلة تقييم الرقع البترولية الجديدة في النيجر، ولاسيما كتلة بيلما «Bilma».
وأكد غريب أن طموح الجزائر لا يقتصر على إنجاز مشروع كفرا بمختلف مراحله، وإنما يتجه نحو بناء شراكة صناعية متكاملة ومستدامة تمتد من المنبع البترولي والغازي إلى المصب، بما في ذلك إمكانية إنشاء شركات مختلطة بين البلدين.
توظيف الشباب ونقل الخبرة
وشدد الوزير الأول على أن الشراكة المنشودة ينبغي أن تقوم على الثقة والتكامل والتضامن والمنفعة المتبادلة، معتبراً أن التكوين ونقل الخبرات يمثلان جزءاً أساسياً منها.
وفي هذا الإطار، أشاد بالتزام المؤسسة الوطنية للتنقيب «ENAFOR» بالاعتماد التدريجي على المؤسسات والمنتجات والخدمات النيجرية، فضلاً عن التزامها بتوظيف الشباب النيجري في مشروع كفرا وتوفير التكوين اللازم لهم.
واعتبر أن هذا النموذج من التعاون المتوازن في قطاع المحروقات يندرج ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى بناء شراكة طاقوية إفريقية تدعم التنمية المستدامة وتعزز التكامل القاري.
الأنبوب العابر للصحراء في صلب الرؤية الإقليمية
وربط سيفي غريب التعاون الثنائي الجزائري-النيجري بمشروع الأنبوب العابر للصحراء، الذي قال إنه دخل فعلياً مراحل التنفيذ، معتبراً إياه محوراً استراتيجياً وحلقة مفصلية في مسار الاندماج الإفريقي.
ولم يحصر الوزير الأول التعاون بين البلدين في قطاع الطاقة، إذ أكد استمرار التشاور والعمل المشترك لتنفيذ الالتزامات الثنائية والمشاريع المشتركة في قطاعات أخرى، على غرار البنى التحتية والصحة والتكوين المهني والتعليم العالي والرقمنة والتجارة والنقل والمالية.
كفرا.. رسالة بتعزيز التكامل الإفريقي
ويرى غريب أن الانتقال من مرحلة الاتفاقيات والنوايا إلى التجسيد الفعلي للمشاريع على أرض الواقع يعكس، بحسبه، حرص قائدي البلدين على المتابعة المباشرة والدقيقة لمسار التعاون الثنائي، بما يكرس الطابع الاستراتيجي للعلاقات الجزائرية-النيجرية.
واعتبر أن هذه العلاقات باتت تمثل نموذجاً للتعاون بين الدول الإفريقية، مشيراً إلى أن اختيار منطقة كفرا، القريبة من الشريط الحدودي بين الجزائر والنيجر والواقعة في منطقة تتقاطع فيها مسارات شمال وغرب ووسط إفريقيا، يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الطاقوي للمشروع.
وختم الوزير الأول بالتأكيد على أن الرؤية المشتركة للبلدين تقوم على أن مقومات النهضة الاقتصادية في إفريقيا تكمن في قدرات شعوبها وإمكانات التكامل بين دولها، بعيداً عن «التعويل المفرط على الغير»، في رسالة تعكس توجه الجزائر والنيجر نحو تعزيز الاعتماد على القدرات الإفريقية وبناء شراكات إقليمية طويلة الأمد.




