الصحراء الغربية: حين يصطدم خطاب الاحتلال المغربي بصلابة المرجعية الدولية

رغم محاولات المغرب المتكررة لإعادة توجيه النقاش حول ملف الصحراء الغربية خارج إطاره الأممي الأصلي، تعود الأمم المتحدة في كل مرة لتؤكد نفس القاعدة القانونية التي تأسس عليها الملف: إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، ومسار تسوية مرتبط بتصفية الاستعمار وفق قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويرى محللون أن المشهد الحالي يعكس ما يمكن وصفه بـ”الصدمة المزدوجة” بالنسبة للمغرب؛ فمن جهة، اصطدم باستمرار تمسك لجنة C24 بالوضع القانوني للصحراء الغربية كإقليم خاضع لتصفية الاستعمار، ومن جهة أخرى، تبيّن أن المبعوث الأممي دي مستورا يتحرك ضمن مرجعية الأمم المتحدة وقراراتها، وليس وفق رؤية أحادية لأي طرف من طرفي النزاع.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات المغربية للجنة C24 ولدور المبعوث الأممي، تؤكد الأمم المتحدة باستمرار أن جهودها تستند إلى مبادئ الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وأن التوصل إلى حل دائم للنزاع يظل رهيناً بمفاوضات تفضي إلى اتفاق متوافق عليه بين الطرفين يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية ، بعيداً عن أي حلول مفروضة من جانب واحد.
هذا الثبات في الموقف لا يعكس مجرد موقف إداري أو لغوي، بل يعبر عن بنية قانونية متراكمة تمتد لعقود، لا يمكن تجاوزها عبر الطرح السياسي الأحادي أو محاولات فرض قراءة واحدة للحل.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: بينما يتم الدفع بخيارات سياسية جاهزة على أنها “حل نهائي”، يواصل مجلس الأمن التأكيد في قراراته المتتالية على أن الحل الوحيد الممكن هو حل سياسي “عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف”، ما يعني ضمنياً رفض أي محاولة لإغلاق الملف خارج إطار التوافق.
كما أن الإصرار الأممي على الإبقاء على تصنيف الإقليم ضمن أقاليم تصفية الاستعمار ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو تثبيت قانوني يضع حدوداً واضحة لأي قراءة سياسية تحاول تجاوز هذا الإطار أو القفز عليه.
وبالتالي، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في مواقف الأمم المتحدة، بل في الفجوة المتزايدة بين خطاب سياسي مغربي يسعى إلى الحسم الأحادي، ومنظومة قانونية دولية ما تزال تعتبر أن الحسم لا يمكن أن يتم إلا عبر تفاوض شامل وتوافقي.
وفي كل مرة يُعاد فيها فتح النقاش، يتضح أن المرجعية الأممية ليست مجالاً للتأويل الانتقائي، بل إطاراً ملزماً ينتج ثوابته من قرارات تراكمت عبر الزمن، ولا تتغير بتغير الخطاب السياسي أو ضغط اللحظة الدبلوماسية.




