
بينما يواصل المخزن الترويج لصورة المغرب كدولة مستقرة وشريك أمني موثوق لأوروبا، تأتي تقارير إعلامية إسبانية لترسم صورة مختلفة؛ صورة تقول إن مضيق جبل طارق الذي لا تفصل ضفتيه سوى 14 كيلومترا لم يعد مجرد معبر بحري، بل تحول إلى أحد أهم ممرات تهريب الحشيش القادم من المغرب نحو أوروبا.
صحيفة “مونكلوا” الإسبانية وصفت هذا الواقع بوضوح، معتبرة أن استمرار المغرب في تصدر إنتاج الحشيش والقنب الهندي عالميا يغذي شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات ويمنح العصابات الإجرامية موارد مالية هائلة وقدرات لوجستية متطورة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن قوة العصابات، بل عن مسؤولية المخزن في الحد من هذا النشاط.
فكيف يمكن لعصابات تمتلك زوارق فائقة السرعة، وأنظمة ملاحة حديثة، واتصالات مشفرة، وطائرات مسيرة، وشبكات لغسل الأموال، أن تنمو وتوسع نفوذها عاما بعد عام دون أن يتحول الأمر إلى أزمة تستدعي مراجعة عميقة للسياسات المغربية المتبعة؟
إن أخطر ما يلفت الانتباه ليس فقط حجم التجارة غير المشروعة، بل ما تتركه من آثار اجتماعية واقتصادية. فحين يصبح الاقتصاد الإجرامي مصدرا لثروة النظام المغربي، تتآكل فرص التنمية الحقيقية، ويجد الشباب أنفسهم بين البطالة أو الانخراط في شبكات التهريب، بينما تتحول الأموال غير المشروعة إلى وسيلة لشراء النفوذ وتوسيع شبكات الفساد.
كما أن هذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على المغرب وحده، بل تمتد إلى الضفة الأوروبية، حيث تشير التقارير إلى أن شبكات تهريب الحشيش باتت تستخدم البنية اللوجستية نفسها لتوسيع أنشطتها إلى تهريب أنواع أخرى من المخدرات، وفي مقدمتها الكوكايين. وهذا يعني أن أي قصور في مكافحة هذه الظاهرة لا ينعكس على الداخل المغربي فقط، بل يمتد أثره إلى الأمن الإقليمي.
وإذا كان المخزن يحرص على تقديم نفسه كشريك أساسي في التعاون الأمني والهجرة ومكافحة الإرهاب، فإن منتقديه يرون أن نجاح أي سياسة أمنية يقاس أيضا بقدرتها على تقليص الاقتصاد الإجرامي، وتجفيف منابع إنتاج وتهريب المخدرات، وليس بالاكتفاء بالخطاب الرسمي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، بل بسياسات تنموية واقتصادية وقضائية فعالة، وبشفافية في تقييم النتائج، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير. فكلما توسعت شبكات التهريب، ارتفع الثمن الذي يدفعه المجتمع، سواء في صورة فساد، أو عنف، أو فقدان لفرص التنمية.
ويبقى ما ورد في تقرير صحيفة “مونكلوا” جزءا من نقاش أوسع حول حجم تجارة المخدرات في المغرب ودور مختلف الأطراف الرسمية في انتشارها. لكن الرسالة الأساسية التي يطرحها التقرير واضحة: استمرار اقتصاد المخدرات بهذا الحجم يمثل تحديا كبيرا لأوروبا ولمستقبل المنطقة، ويستدعي معالجة تتجاوز البيانات الرسمية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.




