أفريقياأوروباالأخبار

“لو كانار أونشيني” تكشف حرب الظل في المغرب: الحموشي والهمة من التجسس إلى اجتياح سبتة

فتحت صحيفة «لو كانار أونشيني» الفرنسية واحدا من أكثر الملفات حساسية داخل منظومة الحكم في المغرب، بعدما نشرت شهادة المهدي حجاوي، المسؤول السابق في الاستخبارات الخارجية المغربية، الذي خرج من صمت رجل الظل ليكشف رواية من داخل الأجهزة عن أحداث سبتة، وبيغاسوس، وشبكات التجسس، وصراع مراكز النفوذ المحيطة بالقصر.

بحسب حجاوي، لا يمكن تفسير قضية الهروب الكبير نحو سبتة نهاية شهر جويلية، باعتبارها مجرد انفلات مفاجئ على الحدود. وتساءل الرجل الذي كان يشغل منصبا رفيعا في جهاز الاستخبارات الخارجية: كيف يمكن لآلاف الأشخاص أن يتوجهوا نحو الحدود من دون أن يعلم كبار المسؤولين الأمنيين بذلك؟ ويشير تحديدا إلى عبد اللطيف الحموشي وفؤاد علي الهمة، باعتبارهما من أبرز الشخصيات التي كان يفترض، وفق روايته، أن تكون على علم بما يجري.

والأخطر أن الشبهة، وفق ما نقلته «لو كانار أونشيني»، لا تتوقف عند العلم المسبق، وإنما تصل إلى احتمال أن تكون العملية قد جرى تدبيرها أو توظيفها لتحقيق غاية سياسية. وهنا يتحول ملف سبتة من أزمة حدود وهجرة إلى سؤال استخباراتي وسياسي: هل كانت الفوضى على الحدود مجرد حدث عفوي، أم ورقة استُخدمت في لعبة ضغط على إسبانيا؟

ومن سبتة يفتح التحقيق الباب على ملف أكثر انفجارا: بيغاسوس، إذ يقول حجاوي إن المغرب استخدم برنامج التجسس الصهيوني لاستهداف شخصيات سياسية وصحفيين، ويضع ضمن قائمة الأهداف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، إلى جانب شخصيات أخرى. وهذه الرواية تأتي في سياق تحقيقات دولية سابقة خلصت إلى وجود أدلة تقنية قوية على استخدام بيغاسوس في المغرب واستهداف شخصيات مرتبطة بالمصالح المغربية.

لكن شهادة حجاوي تضيف تفصيلا بالغ الحساسية حول عبد اللطيف الحموشي. فبحسب روايته، عرض تقنيو شركة «إن إس أو» الصهيونية برنامج بيغاسوس على الحموشي في الرباط في فيفري 2017، وأن المسؤول الأمني طلب تجربة البرنامج على هاتفه، قبل أن ينتقل استخدامه لاحقاً إلى أهداف أخرى. وتقول رواية حجاوي إن البرنامج استُخدم بعد ذلك ضد شخصيات سياسية، من بينها سانشيز وماكرون.

وهنا تتسع دائرة القضية: الرجل الذي يقود أجهزة الأمن والاستخبارات الداخلية المغربية يظهر في قلب الرواية المتعلقة بأداة التجسس الأكثر إثارة للجدل في العالم.

ولم يعد الحديث عن بيغاسوس مجرد اتهامات عابرة. ففي جويلية 2026 نشرت «لوموند» وشركاؤها أدلة جديدة قالت إنها تعزز الاستنتاج بأن المغرب استخدم البرنامج، مشيرة إلى تحليلات تقنية لهواتف ضحايا وإلى تقاطع الأهداف مع أشخاص كانوا محل اهتمام للمخابرات المغربية.

أما حجاوي، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إن استخدام البرنامج لم يقتصر على شخصيات أوروبية، بل تحدث عن استهداف مسؤولين أفارقة خلال قمة كيغالي عام 2018.

وهنا تبرز صورة مقلقة كما يرسمها الرجل: منظومة تجسس إلكتروني لا تتحرك فقط داخل الحدود، بل تمتد، إلى شخصيات سياسية في الخارج. وفي قلب هذه الرواية يظهر مجددا الثنائي الحموشي والهمة.

فؤاد علي الهمة، المقرب جدا من الملك محمد السادس، كان بالنسبة إلى حجاوي شخصية مركزية في دوائر القرار، بل إن الرجل نفسه عمل مستشارا له في مرحلة سابقة. أما الحموشي، فيقود أجهزة الشرطة والاستخبارات الداخلية، ما يجعل الجمع بين الاسمين في شهادة مسؤول استخباراتي سابق ذا دلالة كبيرة على طبيعة تشابك مراكز النفوذ الأمنية والسياسية.

ومن هنا تصبح قصة حجاوي أكبر من مجرد فضيحة تجسس، إنها قصة رجل خرج من دهاليز المنظومة ليكشف كيف تتقاطع أجهزة المخزن مع دوائر القرار، وكيف يمكن أن تتحول المعلومات السرية إلى سلاح في صراعات النفوذ.

ولا تتوقف الرواية عند سبتة وبيغاسوس، فحجاوي يتحدث أيضا عن اختراقات وتسريبات أمنية واسعة، وعن معلومات حساسة تم تداولها عبر تطبيق «تيليغرام»، ويشير إلى بيانات تخص أعدادا كبيرة من عناصر الأجهزة الأمنية والشرطة. كما يتحدث عن فريق كان مكلفا بالتحقيق في اختراقات أمنية قبل أن ينشق أحد أفراده، وفق روايته، حاملا معه معلومات وأسرارا حساسة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي منظومة استخباراتية ليس خصما يعرفها من الخارج، وإنما رجلا يعرفها من الداخل: يعرف أسماء مسؤوليها، وطرق عملها، ومراكز نفوذها، ومسارات القرار فيها.

ولهذا فإن ظهور حجاوي في الإعلام الفرنسي لا يمثل مجرد خروج مسؤول سابق عن الصمت، بل يمثل خروجا للأسرار من غرف الاستخبارات إلى فضاء الصحافة الدولية.

وبين اجتياح سبتة وبيغاسوس والتسريبات الأمنية، ترسم «لو كانار أونشيني» صورة لما يمكن وصفته بحرب ظل داخل منظومة الحكم: أجهزة، رجال نفوذ، ملفات سرية، وتسريبات، فيما يتحول رجل استخبارات سابق إلى مصدر لأسئلة لا يستطيع المخزن الإجابة عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى