عندما تنقلب الجغرافيا على المخزن.. المغرب محاصر دبلوماسيًا ومأزوم إقليميًا

يجد المخزن نفسه اليوم أمام واقع جغرافي ودبلوماسي يزداد ضيقا، بعدما قادته سياسات رعناء وحسابات قصيرة النظر إلى محيط إقليمي أثقله بالأزمات. فبدل أن يتحول الموقع الجغرافي للمغرب إلى جسر للتعاون والانفتاح، أصبح جزءا من معادلة عزلة متصاعدة، تتقاطع فيها الحدود المغلقة مع الأزمات السياسية والأمنية والملفات الإقليمية المفتوحة.
في الشرق، يجد الاقتصاد المغربي نفسه أمام محيط مغاربي مغلق في وجه واحدة من أهم بواباته نحو العالم، في وقت تتزايد فيه كلفة الخيارات التي جعلت التصعيد، الراجع إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، بديلا عن الحوار.
أما في الشمال، فالعلاقة مع إسبانيا، الجار الأوروبي الأقرب، لم تعد بمنأى عن التوترات المتراكمة. ملف التجسس، وأزمة الهجرة، والاتهامات المتبادلة باستخدام المهاجرين كورقة ضغط، كلها ملفات تركت آثارا عميقة في الثقة بين الرباط ومدريد، وجعلت العلاقة محكومة بما يمكن وصفه بالصبر الاستراتيجي الإسباني الذي لا يبدو بلا حدود.
وعلى الواجهة الجنوبية، تستمر جبهة الصحراء الغربية كأحد أكثر الملفات استنزافا للمغرب. فالنزاع الذي كان يفترض أن يجد طريقه إلى تسوية سياسية ما يزال مفتوحا، فيما تستمر جبهة البوليساريو في الضغط العسكري والسياسي حتى الحرية وتقرير المصير، ليظل الصراع حاضرا على تخوم المغرب ويستنزف موارده وحركته الدبلوماسية.
حتى الطريق المؤدي جنوبا نحو موريتانيا لا يلغي هذه الحقيقة الجغرافية والسياسية. فالممر عبر الكركرات ليس حدودا مغربية مباشرة مع موريتانيا، بل معبر يمر عبر الأراضي المتنازع عليها في الصحراء الغربية، وهو ما يجعل الامتداد البري نحو الجنوب مرتبطا في جوهره بتعقيدات النزاع الصحراوي وحساباته.
هكذا تتشكل صورة بلد يملك واجهات جغرافية، لكنه يجد نفسه محاصرا بأزمات صنعها بقراراته السياسية. حدود مغلقة في الشرق بسبب التطبيع مع الكيان، وعلاقة مضطربة مع الشمال، ونزاع مفتوح في الجنوب، وامتداد جنوبي يمر عبر منطقة متنازع عليها؛ إنها معادلة تجعل الجغرافيا نفسها شاهدا على كلفة السياسة الرعناء للمخزن.
المشكلة بالنسبة للمخزن ليست في الجغرافيا وحدها، بل في تحويلها إلى جغرافيا سياسية خانقة. فالدول لا تقاس فقط بعدد حدودها ومنافذها، وإنما بقدرتها على بناء علاقات مستقرة مع محيطها وجيرانها. وعندما تتحول الجيرة إلى خصومة، والتعاون إلى ابتزاز، والدبلوماسية إلى سياسة محاور وتصعيد، فإن الدولة تبدأ في دفع ثمن عزلتها بيدها.
لقد أراد المخزن أن يقدم نفسه باعتباره شريكا موثوقا، لكنه يواجه واقعا أكثر تعقيدا ينسف هذه الصورة: تطبيع وتحالف مع الكيان الصهيوني ضد الجيران، وابتزاز وتوتر مع جار أوروبي أساسي، ونزاع مع الصحراء الغربية لم يحسم، ومسارات جنوبية مرتبطة بأرض متنازع عليها. وبين طموح النفوذ الوهمي وواقع العزلة الحقيقي، تتآكل صورة القوة المزعومة التي حاول أن يرسخها.
اليوم، يرسم المخزن صورة تقترب سياسيا من صورة الجزيرة الجيوسياسية؛ دولة تحيط بها الأزمات أكثر مما تحيط بها الشراكات، وتزداد عزلتها كلما أصر المخزن على إدارة محيطه بمنطق الصدام والابتزاز بدل منطق الحوار والتسوية.




