آسياالجزائرالدبلوماسيةالدولي

الجزائر تقطع العلاقات الديبلوماسية مع الإمارات.. سقوط الأقنعة عند أسوار السيادة

لم يكن القرار السيادي الذي أعلنته الجزائر اليوم الخميس، 10 سبتمبر 2026، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة ومنح سفيرها 48 ساعة لحزم حقائبه ومغادرة التراب الوطني، مفاجأة للمتابعين العارفين بصلابة العقيدة الدبلوماسية الجزائرية. بل جاء هذا القرار بمثابة الكيّ الأخير لجرحٍ ظل يتسع بفعل حماقات حكام أبوظبي؛ خطوة جراحية حاسمة تترجم نهاية مرحلة كاملة من “الصبر الاستراتيجي” الذي مارسته بلادنا بكثير من التعقل وضبط النفس، لتفتح الباب أمام مرحلة الردع الصريح لمن يجرؤ على المساس بالأمن القومي لقلعة الثوار.

لقد توهم مهندسو الفوضى في أبوظبي أن الجزائر دولة يمكن ابتزازها بالمال، أو تطويقها بالوكلاء، أو اختراق جبهتها الداخلية بالحملات التضليلية. وتناسوا، في غمرة نشوتهم بأدوار وظيفية وُكلت إليهم لخدمة مشاريع التفتيت الصهيونية في المنطقة، أنهم يقفون أمام دولة ضاربة في التاريخ، استمدت مناعتها من دماء مليون ونصف المليون شهيد، ولا تقبل في قاموسها السياسي لغة الوصاية أو التهديد.

بذور العداء الأولى

لم تبدأ خيوط هذا التأزم من فراغ؛ فالعارف بكواليس التحرش الإماراتي يدرك أن نقطة التحول المفصلية بدأت في 2019 والاستحقاقات الرئاسية التي تلت. لقد حاولت تلك الدويلة بكل ثقلها المالي والإعلامي التدخل في الشأن السيادي للجزائريين، ورصدت أجهزة الدولة مبكراً مساعي أبوظبي لفرض أجندات تخدم مصالحها المشبوهة وتدعم مرشحين بعينهم لمحاولة حرف مسار الإرادة الشعبية عن سكته الوطنية.

وما إن انكسرت شوكتهم على صخرة التماسك الشعبي-المؤسساتي، حتى تجلى وجه العداء السافر برفض الجزائر الصارم الانخراط في “سيرك التطبيع” والاتفاقيات الخيانية التي قادتها أبوظبي لبيع القضية الفلسطينية. لقد كانت الجزائر الجديدة، بموقفها المبدئي الثابت الرافض للتفريط في حق الشعب الفلسطيني والمتمسك بقدسية المقاومة، حجر العثرة الأكبر أمام مشروع إعادة تشكيل المنطقة على مقاس المشروع الصهيوني، فتحولت بلادنا في عيون حكام أبوظبي من شقيق عربي إلى “هدف يجب إسقاطه”.

حروب الوكالة وتطويق الحزام الأمني

حين فشلت الضغوط المباشرة، انتقلت الدويلة إلى استراتيجية “حروب الوكالة”، مستخدمة ثرواتها لتغذية بؤر التوتر حول الحزام الحدودي للجزائر من خلال إثارة الفوضى في دول الجوارحيث تدفقت أموال أبوظبي المشبوهة إلى شمال مالي والنيجر وليبيا وتونس لإشعال الفتن الداخلية ودعم أطراف متنازعة ضد أخرى، في محاولة خبيثة لنسف الاستقرار الإقليمي وجر الجيش الوطني الشعبي إلى مستنقع استنزاف حدودي طويل الأمد.

إلى جانب التحالف غير المقدس مع المخزن، حيث التقت الأجندة الإماراتية التخريبية مع أطماع نظام المخزن المغربي المرتهن هو الآخر للكيان الصهيوني. تحالف ثلاثي عمل بتنسيق مفضوح في المحافل الدولية وفي العمق الإفريقي لتشويه المواقف الجزائرية ومحاصرة مبادراتها السلمية لحل أزمات الساحل والصحراء.

غير أن حكمة الدبلوماسية الجزائرية ونجاحها في إخماد نار الفتن مع مالي والنيجر، والوقوف الراسخ مع تشاد، فضلاً عن تعزيز الشراكات الكبرى مع قوى دولية وازنة كالزيارة التاريخية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا وإيطاليا، وجّهت صفعات متتالية لأبو ظبي ومشغليها وخلطت أوراقهم الإقليمية بالكامل.

رسائل الردع الرئاسية

مع مطلع العام الحالي، أدركت الجزائر أن العداء الإماراتي تجاوز حدود الخلافات السياسية المألوفة إلى مستوى التهديد الأمني المباشر. في فيفري الماضي، تحركت الجزائر عبر أدوات القانون الدولي وباشرت الإجراءات الرسمية لإلغاء الاتفاقية الموقعة عام 2013 والمتعلقة بالخدمات الجوية، وإخطار المنظمة الدولية للطيران المدني (إيكاو) لقطع أحد أهم مسارات الاختراق.

وفي الشهر ذاته، خرج الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في لقائه الدوري مع الصحافة ليوجه رسالة بالغة الدقة، إلى الإمارات التي تحاول عبثاً إثارة المشاكل والتدخل في المسار الانتخابي. وجاء رده الحازم على تلويح أبوظبي بلجان التحكيم الدولي ليلخص كبرياء الأمة: لقد هددت بأنها ستفقرنا باللجوء إلى التحكيم الدولي.. فلتلجأ إلى ذلك، لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه. كانت تلك الكلمات بمثابة جرس الإنذار الأخير لنظام يمارس المراهقة الدبلوماسية في مواجهة دولة كبرى.

حروب الجيل الرابع واستغلال الكوارث

بدلاً من العودة إلى الرشد، انحدر التآمر الإماراتي في صيف هذا العام إلى حضيض أخلاقي غير مسبوق؛ حيث استغلت الدويلة حرائق الغابات الطبيعية التي اجتاحت حوض المتوسط، وحادثة حريق دار الطفولة المسعفة بالمحمدية، لتطلق جيوش الذباب الإلكتروني وغرف الأخبار المفبركة.

شهدت الساحة الإعلامية حملات سوداء اعتمدت صورا وفيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي، لتضخيم المآسي ومحاولة زرع الإحباط والفتنة بين الشعب ومؤسساته. كان الهدف بائساً وواضحاً: النيل من المكاسب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للجزائر الجديدة، والتعويض عن الفشل الذريع لسياسات أبوظبي المنهارة في اليمن والسودان، ومحاصرة الكراهية الشعبية العربية المتنامية لحكامها بعد افتضاح دورهم في دعم حرب الإبادة الصهيونية في غزة.

القرار التاريخي

أمام هذا التراكم المشبوه، تحركت الدبلوماسية الجزائرية، لتصدر بيانها الصارم بإنهاء كل أشكال التمثيل الدبلوماسي مع دولة الإمارات. لم يعد ضبط النفس فضيلة حين يتحول إلى مطية لدويلة اعتادت طعن أشقائها في الظهر، ولم يعد هناك متسع لأي وساطة أو حوار بعدما أُغلقت كل أبواب التحذير.

مغادرة السفير الإماراتي في ظرف 48 ساعة هي رسالة جزائرية مدوية تفوق حدود جغرافية أبوظبي؛ إنها بيان عملي موجه للكيان الصهيوني، ولنظام المخزن، ولكل العواصم المأجورة التي تدور في فلكهم: الجزائر لا تُبتز، الجزائر لا تُحاصر، وسيادتها خط أحمر كُتب بدماء الملايين ولا يمكن لأقزام السياسة والمال الوظيفي أن يطالوه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى