تطبيع مُذل وقدس تُستباح.. المغرب في الجانب الخطأ من التاريخ

في الوقت الذي تتكرر فيه الاقتحامات التي تنفذها قطعان المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك، وما يرافقها من انتهاكات لحرمة المسجد ومقدساته ومحاولات فرض وقائع جديدة عليه، وبعد محو 74 ألف إنسان وتشريد مليوني شخص وهدم مدينة كاملة، ملك المغرب يُقرر مكافأة العدو الصهيوني على ما فعله بقطاع غزة ويُعلن بشكل رسمي تطبيع العلاقات معه، بل ويُقرر في خطوة مفاجئة فتح سفارة صهيونية في الرباط، وسفارة مغربية في القدس المحتلة، لكن ما لا يعرفه العرب أن هذا ليس جديدا على المغرب ونظام المخزن الذي له باع طويل في خيانة قضايا الأمة.
ينخرط نظام المخزن المغربي في مسلسل التطبيع مع الكيان في وقت تتهم فيه قواته المجرمة بارتكاب سلسلة من جرائم الابادة والتطهير العرقي وجرائم الحرب المروعة، أُعلن الأمس، إثر اجتماع في نيويورك، على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، مع تنظيم زيارات متبادلة رفيعة المستوى خلال الأشهر المقبلة.
وعلى مستوى التعاون الاقتصادي: استكمال اتفاقيتي حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بحلول نهاية عام 2026 لتشجيع التبادل التجاري توسيعا لمسارات التطبيع وتثبيتا للحضور الصهيوني داخل المغرب.
وفي مجال الملاحة الجوية، توسيع الرحلات الجوية لتشمل شركات طيران مغربية بحلول نهاية 2026، في مسار سياسي واقتصادي يفتح مزيدا من المجالات أمام الحضور والاختراق الصهيوني. ويحول العلاقات مع كيان الاحتلال إلى شراكات دبلوماسية واقتصادية متقدمة، في الوقت الذي يواصل فيه الشعب الفلسطيني مواجهة الاحتلال والعدوان والتهجير والاستيطان، بما يفتح أمام الاحتلال مزيدا من فرص الحصول على الشرعية السياسية والاقتصادية، بدل توظيف العلاقات الدولية للضغط من أجل إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة.
لكن أهمية القرار لا تكمن في شكله الدبلوماسي، وإنما في الرسالة السياسية التي يحملها. وهي رسالة تكشف حجم الاحتقار والإهانة التي يكنها من اتخذه للشعب المغربي، ليس لأنه آخر من يعلم فقط، فهذه أصبحت عادة اعتاد عليها المغربيون حتى في أبسط أمورهم الحيوية، وإنما لأن هناك إصرارا على إذلالهم وتحدي إرادتهم، رغم كل المسيرات والاحتجاجات والوقفات التي واصلت الخروج طيلة ست سنوات متواصلة، للتعبير عن رفض شرائح واسعة منهم للتطبيع مع كيان متهم بارتكاب جريمة إبادة جماعية.
والقرار يحمل أيضا حقيقة أخرى أكثر مرارة، وهي حجم عدم الاكتراث واللامبالاة المغربية الرسمية بمأساة الشعب الفلسطيني، الذي أُبيد في غزة ويُقتل وينكّل به يوميا في الضفة الغربية، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الحرص على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة فوق أرضه التاريخية. وهو تناقض تحاول حملات البروباغندا السياسية لمؤسسة بيت مال القدس التغطية عليه، فيما تستمر، في المقابل، عملية ترسيخ علاقات التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني.
من المؤلم اليوم أن يصدر قرار من هذا النوع في هذا التوقيت بالذات عن دولة يُعتبر رئيسها رئيس لجنة القدس، في الوقت الذي أعلنت فيه عدة دول أوروبية، تربطها بالكيان الصهيوني علاقات اقتصادية وسياسية أقوى من تلك التي تربط المغرب بهذا الكيان، عن إجراءات تستهدف التجارة في منتجات المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية. والمفارقة هنا ليست في اختلاف المواقف فقط، وإنما في أن دولا أوروبية باتت تتخذ إجراءات تجاه سياسات صهيونية مرتبطة بالاحتلال والاستيطان، بينما يختار المغرب، الذي يحمل رسميا مسؤولية رئاسة لجنة القدس، رفع مستوى علاقاته الدبلوماسية مع الكيان إلى مستوى السفارات.
إن من اتخذ هذا القرار لا يحترم الشعب المغربي، ويحتقر الشعب الفلسطيني، ويضع نفسه، ومعه شعبا كاملا، في الموقع الخطأ في الزمان والتوقيت الخطأ، لأن من يتحالف مع كيان مغتصب متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفي خضم حرب إبادة تتواصل أمام العالم، لا يمكن إلا أن يجد نفسه يقف في الجانب الخطأ من التاريخ.
ففلسطين ليست مجالا للمساومة، والقدس ليست ورقة للتفاوض، والمسجد الأقصى ليس شأنا هامشيا، ودماء الشهداء ومعاناة الأسرى والمهجرين لا يمكن أن تقابل باتفاقيات استثمار مزعومة أو ترتيبات دبلوماسية مهما كان الثمن.




