
تتصاعد الدعوات الأممية ومن الدول الفاعلة في إفريقيا، على غرار الجزائر، إلى ضبط النفس ووقف التصعيد في الكونغو الديمقراطية، عقب تجدّد الصراع بين القوات الكونغولية وحركة “إم 23” .وما تبعه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني في دولة تعيش صراعات مسلّحة منذ عقود طويلة.
إقليم كيفو… من صراعات المجموعات العرقية إلى “أم 23” المتمرّدة
إقليم كيفو الشمالي، الذي يقع شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وعاصمته الإدارية مدينة غوما، والممتدّ على مساحة 59 ألف كيلومتر مربع، ظل منذ تسعينيات القرن الماضي مسرحا للصراعات الدموية، خاصة بعد تدفق اللاجئين الروانديين الفارّين من الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
وشهد إقليم كيفو الشمالي الذي تحدّه شرقا أوغندا، جنوبا إقليم كيفو الجنوبي ومن الجنوب الشرقي رواندا، ومن الجنوب الغربي إقليم مانيما، حروبا وصراعات متعاقبة أبقت على الوضع هشّا في ثاني أكبر دولة في إفريقيا وأغناها من حيث الثروات الطبيعية.
بعد صراع دموي بين المجموعتين العرقيتين، “التوتسي” و”الهوتو”، في 1993، عرف الإقليم تدفّقا للفارّين من الإبادة الجماعية في رواندا، وتواصل تصاعد العنف إلى غاية 1995، قبل أن يغزو “تحالف القوى الديمقراطية لتحرير الكونغو” الإقليم سنةً بعد ذلك، بدعمٍ من حكومات أنغولا وإريتريا وإثيوبيا وتنزانيا وزيمبابوي.
استمرّت الصراعات العرقية في المنطقة إلى سنة 2009، غير أنها اهتزت مجددا على وقع تمرّد حركة أسست باسم “أم 23” في 2012، بسبب فشل الاتفاق بين الحكومة والمتمرّدين (اتفاقية السلام)، الموقّعة في 23 مارس/آذار 2009، التي أصبح بموجبها المتمردون جزءا من الجيش الكونغولي.
وتمكّنت هذه الحركة من السيطرة على مناطق عديدة من إقليم كيفو الشمالي، ورغم هزائمها منذ 2013، عادت الحركة إلى القتال في 2021، غير أنها صعّدت بشكل مقلق من نشاطاتها المسلّحة منذ 2024، بعد تعثّر مفاوضاتها مع الحكومة، وتمكّنت من السيطرة على مدينة غوما – الأكبر في شرق الجمهورية – ودفعت عملياتها المسلحة مئات الآلاف من السكان إلى النزوح (نحو ربع مليون نازح إلى منتصف يناير 2025)، مما خلق أزمة إنسانية متسارعة على قاعدة معيشية هشّة في الأساس، في إقليم يعرف أكبر كثافة سكانية تتجاوز الـ 6 ملايين نسمة، يتوزعون على 3 مدن رئيسية، هي غوما وبيني وبوتمبو، إضافة إلى 6 مقاطعات، هي بيني ولوبيرو وماسيسي ونيراغونغو وروتشورو واليكالي.
تحقيقات في الانتهاكات ووساطات للتهدئة
وفي محاولة للجم الصراع الدائر في إقليم كيفو الشمالي في الكونغو الديمقراطية، يجتمع في تنزانيا، اليوم السبت، زعماء تكتلات إقليمية من شرق وجنوب إفريقيا للبحث عن حلّ للصراع في أسوأ تصعيد للقتال منذ أكثر من عقد من الزمن، وسط زحف متواصل لمتمرّدي “أم 23” جنوبا، وتوسّع سيطرة الحركة على مناجم الكولتان والذهب وخام القصدير في إقليم كيفو الشمالي.
ونقلت “رويترز” عن مصدر قوله إن رئيس الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسكيدي، ونظيره الرواندي، بول كاجامي، اللذين تبادلا اللوم في تصاعد العنف، وافقا على حضور القمّة، وقد يشارك تشيسكيدي عن بعد عبر الأنترنت.
وستسعى قمّة “دار السلام” إلى تحقيق تقدم بعد تعثر عمليتي سلام في لواندا ونيروبي مع تصاعد التوترات، حيث يؤكد معهد دراسات الأمن في جنوب إفريقيا في تقريره الأخير أن الأولويات العاجلة هي وقف إطلاق النار وفتح طرق الإمداد لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
وفي المقابل، وافق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على فتح تحقيق في الانتهاكات التي وقعت في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية من قبل حركة “إم 23” .وقال رئيس المجلس إن الدول الـ 47 الأعضاء وافقت على الطلب الذي تقدمت به الكونغو من دون تصويت في دورة استثنائية.
وحذر المفوّض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، في وقت سابق، من أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات وتدابير عاجلة قد يزداد الوضع تفاقما حتى خارج الكونغو الديمقراطية. وقال فولكر إنه منذ 26 يناير/كانون الثاني الماضي قُتل 3 آلاف شخص وجرح أكثر من 2500 آخرين ، معربا عن قلقه من انتشار الأسلحة والتجنيد الإجباري للأطفال.
الجزائر التي أكدت استعدادها دعم جهود الوساطة في المنطقة، أعربت، أمس، خلال جلسة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان حول جمهورية الكونغو الديمقراطية، عن “قلقها العميق” إزاء تجدد النزاع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ودعت على لسان ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف، رشيد بلادهان، إلى “ضبط النفس” و”وقف التصعيد” بهدف السماح باستئناف الحوار ووقف العنف الهمجي ضد المدنيين والنساء والأطفال، وكذا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني، وأكدت على الأهمية القصوى لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات الهشّة، وذكّرت جميع الأطراف بالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي بحماية أرواح المدنيين والناشطين في المجال الإنساني مع وجوب إيصال المساعدات دون عوائق واحترام الممرات الإنسانية.




