أفريقياأوروباالأخبار

الشرطة الإسبانية تكشف تورط الدرك المغربي في اقتحام سبتة بأوامر أمنية ولغرض غير الهجرة

لم يعد الهروب الكبير نحو سبتة الإسبانية مجرد أزمة هجرة في التحقيق الذي قدمه المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الوطنية الإسبانية إلى القاضية ماريا تاردون المكلفة بملف اقتحام سبتة. فالتقرير يقول بوضوح إن اقتحام سبتة جرى بتوجيه من رجال الدرك المغربيين الذين كانوا يتلقون أوامر من عناصر أمن بلباس مدني، ولغرض يختلف عن الهجرة، وفق ما كشفت عنه صحيفة إل إسبانيول.

التقرير الأمني الإسباني يضع بذلك أجهزة المخزن في صلب عملية لم يكن هدفها وفق تقييم مركز الاستخبارات التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، مجرد تدفق عشوائي للمهاجرين، وإنما عملية مخططة جرى توجيهها من الجانب المغربي بهدف إغراق منظومة مراقبة الحدود الإسبانية وشل قدرتها على الرد.

الأخطر في التقرير ليس حجم المتدفقين، ولا مشاهد الازدحام على الحدود، وإنما ما تقوله الشرطة الإسبانية عن طبيعة من كانوا يقفون خلف المشهد. فبحسب ما نقلته الصحيفة، رصدت أجهزة الأمن الإسبانية عناصر من الدرك المغربي وهم يوجهون المشاركين، إلى جانب أشخاص بلباس مدني كانوا يتولون إصدار التعليمات ومراقبة تنفيذ العملية ميدانيا. وهنا تتحول القصة من ملف هجرة إلى سؤال أمني وسيادي بالغ الخطورة.

وحسب الصحيفة، فإن المخزن يجد نفسه أمام اتهام لا يتعلق بعجزه عن ضبط حدوده، بل باحتمال توظيف الحدود نفسها كأداة ضغط على دولة أوروبية وعضو في الاتحاد الأوروبي. فالفارق هائل بين دولة تفقد السيطرة على تدفقات بشرية وبين دولة يُشتبه في أن أجهزة تابعة لها ساهمت في تنظيم تلك التدفقات وتوجيهها نحو هدف محدد.

وتزداد الشبهات قوة، بحسب التقرير، مع حقيقة أن نحو 90 بالمائة ممن دخلوا سبتة خلال يومي 30 و31 جويلية عادوا إلى المغرب بعد ساعات قليلة. وهي معطيات تدفع الشرطة الإسبانية إلى التشكيك في التفسير القائل إن الهدف الأساسي كان الاستقرار داخل سبتة أو البحث عن حياة جديدة في إسبانيا، وتفتح الباب أمام فرضية استخدام البشر أنفسهم كأداة في عملية ضغط منظمة.

واللافت أن التحذير الأمني الإسباني سبق الأحداث. فقد أشار مركز CENIF الإسباني، وفق ما أوردته الصحيفة، إلى احتمال وقوع دخول جماعي في 30 جويلية وعن طريق البحر، كما صنف سيناريو الدخول المنسق سباحة أو عبر السياج باعتباره خطرا بالغا. أي أن الأجهزة الإسبانية لم تكن أمام مفاجأة مجهولة بالكامل، وإنما أمام مؤشرات مسبقة على تحرك واسع ومنظم.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إحراجا للمخزن: فكلما حاول تقديم نفسه أمام أوروبا باعتباره حارس البوابة الجنوبية، تأتي الوقائع التي تثيرها التقارير الإسبانية لتطرح السؤال المعاكس: ماذا لو تحولت البوابة التي يقال إنها تحمي أوروبا إلى أداة للضغط عليها؟

القضية لا تتوقف عند سبتة. فتقرير الشرطة، وفق الصحيفة الإسبانية، يربط العملية بالسياق السياسي الأوسع للمطالبة المغربية بسبتة ومليلية. وبذلك يصبح البحر والحدود والهجرة، في نظر الأجهزة الإسبانية، عناصر محتملة داخل معادلة تتجاوز الهجرة نفسها وتمس مباشرة الأمن والسيادة الإسبانيين.

والأشد دلالة أن القاضية ماريا تاردون طلبت تقارير أمنية للتحقق مما إذا كانت الوقائع تحمل مؤشرات على جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة الوطنية الإسبانية. وهذا يعني أن ما حدث لم يعد مجرد أزمة حدودية عابرة يمكن إغلاقها ببيانات سياسية، بل باتت له تبعات قضائية وأمنية تستوجب التحقيق.

لقد أراد المخزن، لعقود، أن يظهر في صورة الطرف الذي يمسك بمفاتيح الأمن والهجرة في الضفة الجنوبية، ويطالب أوروبا بأن تنظر إليه باعتباره شريكا لا غنى عنه. لكن تقريرا أمنيا إسبانيا، كما نقلته إل إسبانيول، يفتح صورة مختلفة تماما: حدود يمكن أن تتحول إلى ابتزاز، والهجرة يمكن أن تتحول إلى غطاء، والحشود يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي.

وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات القضائية الإسبانية، تبقى الحقيقة الأكثر إحراجا للمخزن أن سبتة لم تعد في هذه الرواية مجرد قضية هجرة بل تحولت إلى ملف أمني يضع أجهزة مغربية أمنية تحت مجهر القضاء الإسباني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى