الثقافة

الجزائر : مشاركة قياسية في الصالون الدولي للكتاب

لقد خلفت جائحة كورونا آثارا بليغة على الاقتصاد والنشاط الاجتماعي والثقافي في كل ربوع المعمورة، وبطبيعة الأمر، لم يسلم قطاع الكتاب والنشر من هـذه المضاعفات السلبية.

اضطراب بيئة الكتاب

جاء في تقرير الاتحاد الدولي للناشرين الصادر بعنوان “بين التأقلم ومتابعة النشاط: آثار الكوفيد-19 على صناعة النشر العالمية” (نوفمبر 2020) أنه “بالرغم من دورها الفعال والمقَرِ به منذ سنين في دفع عجلة الرقي الاجتماعي والثقافي وتطوير الاقتصاد المعرفي، إلا أن صناعة النشر قد واجهت ظروفا عصيبة أمام تحول الكوفيد-19 إلى جائحة عالمية. ومع أن الناشرين قد تجندوا بسرعة لمؤازرة الحكومات والمنظومات التربوية والمجتمع العلمي في مواجهة أولى موجات الفيروس، قيل للكثير منهم أن صناعتهم ليست “بالضرورية”.

وأشار التقرير على صعيد آخر إلى أن “الناشرين يعملون في بيئة معقدة بالتعاون مع مطبعيين وشركاء سوق وموزعين وبائعي تفصيل… فكانت لإجراءات الرقابة التي فرضها الكورونا آثار شاملة على هذه السلسلة كما انجرت عنها اضطرابات كبيرة على مستوى التموين”. وذكر التقرير، من بين هذه الآثار، الصعوبات المالية التي واجهت المطبعيين بفعل إلغاء الطلبات ونقص الورق ووقف النشاط، بالإضافة إلى اضطراب تدفقات الشحن العالمية وتوقف أو تقييد نشاط الموزعين وتاجري الجملة وتأثيره على باعة الكتب، تراكم المستحقات غير المدفوعة، انخفاض قيمة العملة في عدة بلدان، غلق أو تجميد نشاط الكثير من دور النشر الصغيرة والمتوسطة، إلخ… ونوه التقرير أخيرا إلى تأجيل معظم معارض الكتاب خلال السنتين الفارطتين.

في غالب الأحيان، نجت صناعة النشر من الاندثار بفضل الاعتماد على النشاط الرقمي، المساعدات العمومية في بعض البلدان، العمل عن بعد، إلخ… ويكبر الأمل حاليا في عودة القطاع إلى نشاط عالمي عادي.

عبرت الحكومة الجزائرية بتقديم تاريخ انعقاد معرض الجزائر الدولي للكتاب عن رغبتها في دعم استئناف نشاط صناعة النشر الوطنية والتخفيف عنها قدر المستطاع من آثار جائحة كورونا. كما تعززت هذه المبادرة بقرار رئيس الجمهورية إعفاء كل الناشرين الجزائريين والأجانب من تكاليف كراء أجنحة العرض.

1250 عارض

بالرغم من أن تأجيل الطبعة الخامسة والعشرين لمعرض الجزائر الدولي لسنتين متتاليتين قد زرع قلقا من تخلف الناشرين، لكن العكس حدث بتسجيل 1250 عارض وهو رقم قياسي في تاريخ التظاهرة ومفاجئة سارة بحكم المخاوف الناتجة عن مخاطر العدوى بالكورونا. ولا تزال بعض طلبات التسجيل تبلغنا إلى حين كتابة هذه السطور.

في 2018، تجاوز معرض الكتاب في طبعته الثالثة والعشرين عارضة الألف مشارك (1015)  كما شهدنا حضورا قويا للصين، ضيف الشرف آنذاك والذي شارك بحوالي أربعين دار نشر. أما في السنة الموالية فقد حقق المعرض زيادة ملحوظة في عدد العارضين الذي تجاوز الألف وثلاثين، مما يدل على  تطور عميق وليس فقط على زيادة معزولة. وقد بدأ بروز هذا التطور ابتداء من الطبعة العشرين (2016) التي شهدت مشاركة 910 عارض، أي ما يقارب ضعف عدد المشاركين (43٪) مقارنة بسنة 2011. وتشير هذه المعطيات إلى الجاذبية التي يحظى بها المعرض لدى الناشرين بفضل تفاعل الجمهور الذي دنى عدده من المليوني زائر في 2018. أرقام توطد مكانة معرض الجزائر الدولي الرفيعة على المستوى الإفريقي والعربي والمتوسطي كما أنها تعبر ببلاغة عن شغف الجزائريين بالقراءة، علما أن السيلا يقترح سنويا حوالي 300.000 عنوان.  

عدد العارضين/السنة20192022
الجزائر298266 (-12٪)
العالم733984 (+26٪)
المجموع10311250 (+17٪)

بالرغم من أن المشاركة هذه السنة لازالت في منحنى تصاعدي (1250 عارض أي أكثر من 17٪ مقارنة بـ2019) إلا أن ظروف الجائحة وآثارها المختلفة، الاقتصادية منها خصوصا، قد أدخل تغييرات عميقة على البنية الذاتية لهذه المشاركة.

تباطؤ حركة النشر الوطنية

تبقى المشاركة مستقرة في بنيتها العامة بالرغم من انخفاض حضور دور النشر الوطنية التي تقدر هذه السنة بـــــ21٪ بينما كانت تحتل فارطا ثلث المشاركة العامة. بيد أن هذه المعطيات تنحصر على عدد العارضين فوجب إذن قراءتها بنسبية. الناشرون الجزائريون يحتلون عموما نصف مساحة المعرض ويقترحون 40٪ من مجمل العناوين، بحكم محتواهم الأقرب إلى الزائرين والأقل تكلفة مقارنة بالناشرين الأجانب.

يشير انخفاض المشاركة الوطنية إلى تأثير الجائحة على سوق الكتاب في الجزائر،خصوصا أن الصعوبات التي يكابدها هذا الأخير تعود إلى ما قبل الأزمة الصحية: فهناك دور نشر عديدة تأسست بفضل آليات الدعم العمومي المعمول بها سابقا والتي اعتبرها الكثير من الاحترافيين الأجانب “فارطة الكَرَم”، ولم تتمكن أو لم تعمل على تطوير قدراتها الذاتية في مجال الربحية كما تضاعف عجزها تحت وقع الجائحة. والجدير بالذكر أن هذه الأخيرة قد طالت كذلك دور النشر الكبيرة التي تخشى اليوم خطرا على بقائها الاقتصادي.

تقتضي الوضعية الحالية عملية تدقيق واسعة في حقل النشر الجزائري لاعتماد إجراءات كفيلة بحمايته واستمراريته. وكما صرح العديد من الناشرين فإن معرض الجزائر يُمَكِّنُهُم من ضمان جزء كبير من مبيعاتهم السنوية، أي ما يقارب الــــ30٪. يمكننا القول إذن أن هذه الطبعة ستكون بمثابة نقطة انطلاق مهمة في إعادة إحياء القطاع شريطة أن يبقى الطلب في مستوى الطبعات السابقة. لكل هذه الأسباب، استقبل حرفيو القطاع تنظيم معرض الجزائر بحفاوة وأمل كبيرين.

مشاركة دولية هامة

بالمقارنة مع طبعة 2019 التي سجلت مشاركة 733 عارض أجنبي، يشهد المعرض هذه السنة ارتفاعا قياسيا يقدر بنسبة 26٪ (251 عارض إضافي). ولعل هذه الطفرة المفاجئة تعبر عن رغبة ناشرين كثر في تدارك الفجوة التي أحدثتها الجائحة، سواء على صعيد المبيعات أو للحفاظ على سمعتهم. كما تشير هذه الحركة إلى تطورات داخلية فيما يخص مصدر المشاركة الدولية. وقد تمسك المعرض هذه السنة بالإبقاء على حضور أربعة قارات. والجدير بالذكر:

–    يحتفظ الناشرون العرب بمكانة هامة (324 عارض مقابل 321 في 2019)، بالإضافة إلى الــ266 عارض جزائري، مما يعطي للعالم العربي مجمل 590 عارض أي ما يقارب نصف المساحة المخصصة.

أما البلدان المهيمنة فلم تتغير منذ الطبعات السابقة: مصر (127)، لبنان (59)، الأردن (36)، تونس (27)، سوريا (19)، المملكة العربية السعودية (18)، إلخ…

–    بينما كانت القارة الأوروبية تحتل المكانة الثانية بعد العالم العربي خلال الطبعات الفارطة، ها هي الآن تتجاوزه بـــــ51عارض من مجموع 641 مشارك أغلبيتهم قادمة من فرنسا. ويعود هذا الحضور الكثيف إلى آليات الدعم وتشجيع التصدير التي يحظى بها القطاع في هذه البلدان.

–    بالإضافة إلى شمال افريقيا (الجزائر، مصر، ليبيا، الصحراء الغربية وتونس)، ستحضر كالعادة بلدان جنوب الصحراء، لا سيما في فضاء “روح الپاناف” الذي يستقبل كل سنة الناشرين والكتاب والجامعيين.

–    يأتي حضور القارات الأخرى كما يلي: آسيا (11 ومنهم الصين، الهند وتركيا الحاضرين بتسعة عارضين)، أمريكا الشمالية (ثمانية عارضين من كندا والولايات المتحدة), كما تجدر الإشارة إلى أن أمريكا الجنوبية التي كانت لها مشاركة متواضعة في الطبعات السابقة، غائبة هذه السنة ويعود ذلك إلى مشاكل التنقل وتكلفة الشحن.

–    8 حالات، هو عدد المشاركين الذين استعملوا آليات التفويض التي تسمح للناشرين غير القادرين على التنقل بعرض كتبهم في أجنحة شركائهم.

كما نلاحظ انخفاضا ملموسا في عدد البلدان المشاركة فمقابل الخمسين راية وطنية التي كانت ترفع في قصر المعارض، نحصي هذه السنة 36 راية فقط. ساعدت المجانية التي قررها رئيس الجمهورية في التصدي للصعوبات الحالية. لكن يبقى لجائحة كورونا أثرها البالغ على نشاط النشر العالمي بحكم أزمة المطابع، ندرة وغلاء الورق، نقص الرحلات الجوية والبحرية، صعوبة وتكلفة الشحن… كل هذا كان له أثر ردعي على المهنة كما أفصح عنه الكثير من الناشرين الذين تأسفوا لعدم قدرتهم على المشاركة في هذه الطبعة. وبالرغم من ذلك، تبقى المشاركة الدولية جد مشرفة بالنظر لارتفاع عدد العارضين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى