أفريقياأوروباالثقافةالدولي

من قلب البندقية.. الاحتلال المغربي يُهزم أمام ذاكرة الصحراء الغربية

في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال المغربي محاولاته لطمس حقيقة القضية الصحراوية وإغراقها في الروايات السياسية المصطنعة، جاءت البندقية لتفتح شاشة من شاشاتها العالمية أمام صوت الشعب الصحراوي، وتمنح ذاكرته مكانا في واحد من أعرق المحافل السينمائية الدولية.

هنا تحديدا تكمن المفارقة التي تُربك خطاب الاحتلال: ثلاثون عاما مرت، والصحراء لم تُنس، والشعب الصحراوي لم يختف، وقضيته لم تُدفن تحت رمال الصحراء.

فيلم «أسطورة الصحراء» ليس مجرد عمل سينمائي يوثق رحلة عابرة، بل شهادة على شعب عاش عقودا في الانتظار، وجيل وُلد في مخيمات اللجوء وهو يحمل حلم العودة إلى أرضه، بينما ظل استفتاء تقرير المصير الذي انتظره الصحراويون لعقود مؤجلا.

إن وصول هذه القصة إلى البندقية يحمل رسالة سياسية وإنسانية واضحة: ما يحاول الاحتلال المغربي إسكاته في الصحراء الغربية يمكن أن يصل إلى العالم من أبواب الثقافة والسينما والذاكرة.

لقد أراد الاحتلال أن يجعل الزمن حليفا له؛ أن تمر السنوات حتى يعتاد العالم الأمر الواقع، وأن تتحول القضية الصحراوية إلى ملف منسي في أرشيف الأمم المتحدة. لكن ثلاثين عاما من الصور أثبتت العكس تماما.

فالطفلة التي ظهرت في صور التسعينيات عادت اليوم إلى المشهد، لكن خلفها جيل جديد من الأطفال الصحراويين الذين ولدوا في المنفى، ليطرحوا السؤال نفسه الذي لم يجد العالم له جوابا حتى اليوم: إلى متى يبقى شعب كامل رهينة الانتظار؟

وهنا تتهاوى إحدى أهم رهانات الاحتلال: رهان النسيان، فالاحتلال يستطيع أن يفرض واقعا على الأرض، لكنه لا يستطيع احتلال الذاكرة. يستطيع أن يبني الجدران، لكنه لا يستطيع بناء جدار يحجب الحقيقة عن العالم. يستطيع أن يراهن على مرور الزمن، لكنه لا يستطيع أن يمنع السينما من إعادة فتح الملفات التي يريد إغلاقها.

ومن مخيمات اللاجئين الصحراويين إلى قاعات البندقية، قطعت الحكاية مسافة آلاف الكيلومترات، لكنها حملت معها الرسالة ذاتها: الشعب الصحراوي ما زال هنا، وقضيته ما زالت حية.

والأكثر إيلاما للاحتلال المغربي أن هذه المرة لم تأت الرسالة من منصة سياسية أو بيان دبلوماسي، بل جاءت من شاشة سينمائية أمام جمهور دولي، حيث تتحول الصور إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال، والسؤال إلى قضية لا يمكن دفنها.

إن «أسطورة الصحراء» تقول ببساطة ما عجزت كل محاولات التعتيم عن إخفائه: القضية الصحراوية ليست صفحة طواها الزمن، وليست نزاعا يمكن إسقاطه من الذاكرة بمجرد مرور العقود، إنها قصة شعب ينتظر حقه.

وبينما يواصل الاحتلال المغربي الاستثمار في الدعاية ومحاولات إعادة صياغة التاريخ، جاءت البندقية لتقول شيئا مختلفا تماما: التاريخ لا يُمحى بالإعلام، والحقوق لا تسقط بالتقادم، والشعوب لا تختفي لأن أحدا يريد لها أن تختفي.

بعد ثلاثين عاما، عادت الصور من الصحراء إلى الشاشة. وعاد معها السؤال الذي يخشاه الاحتلال: أين حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره؟

ذلك هو الانتصار الحقيقي لـ«أسطورة الصحراء»: أن تتحول ذاكرة شعب حاول الاحتلال أن يجعل العالم ينساها، إلى قصة يشاهدها العالم من قلب البندقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى