كشفت التحقيقات الإسبانية المتواصلة بشأن أنفاق تهريب المخدرات بين المغرب ومدينة سبتة عن صورة مقلقة لحجم الشبكات الإجرامية العابرة للحدود التي جعلت من الأراضي المغربية منصة رئيسية لإغراق أوروبا بالمخدرات، في واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد الأمن والاستقرار على الضفة الشمالية للمتوسط.
وأظهرت وثائق جديدة أدرجت ضمن ملف التحقيق، حسب ما أوردته مصادر إعلامية إسبانية اليوم الجمعة، أن الشبكة الإجرامية التي كانت تنشط في منطقة تاراخال، جنوب إسبانيا، اعتمدت بنية تحتية سرية متطورة تضم عدة أنفاق مخصصة لتهريب الحشيش من المغرب نحو سبتة الاسبانية، حيث كانت تمر يوميا شحنات ضخمة تتراوح بين طن وطنين من المخدرات قبل توزيعها عبر شبكات أخرى داخل إسبانيا ودول أوروبية مختلفة.
ووفق تقرير صادر عن الوحدة المركزية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة التابعة للشرطة الإسبانية، فإن المشتبه في قيادته للشبكة كان يسيطر على نفقين سريين تم اكتشافهما سابقا، إلى جانب نفق ثالث كان لا يزال قيد الإنجاز.
وأفاد التقرير بأن الأجهزة الأمنية الإسبانية كانت تشتبه منذ سنة 2024 في وجود بنية تحتية سرية مخصصة للتهريب بمنطقة تاراخال الحدودية مع المغرب، غير أن الوصول إلى أول نفق لم يتحقق إلا خلال عملية أمنية واسعة نفذت مطلع سنة 2025، وأسفرت عن تفكيك جزء من الشبكة وتوقيف عدد من المشتبه فيهم.
كما كشفت الأبحاث عن صلات بين أعضاء الشبكة الإجرامية وأشخاص مبحوث عنهم في قضايا الاتجار الدولي بالمخدرات، فضلا عن شبهات تتعلق باستخدام وسائل مختلفة لتسهيل تنقل بعض المتورطين بين الضفتين بعيدا عن الإجراءات القانونية.
وأبرزت هذه المعطيات حجم التنظيم والموارد اللوجستية التي سخرتها الشبكات المرتبطة بتهريب المخدرات انطلاقا من المغرب، إذ لم تكتف باستغلال الأنفاق السرية، بل سعت أيضا إلى احتكار مسارات التهريب وفرض رسوم غير قانونية على التنظيمات الإجرامية الأخرى مقابل السماح لها باستخدام هذه الممرات.
وتواصل السلطات القضائية والأمنية الإسبانية تعميق التحقيقات في هذه القضية، التي تعد من أكبر ملفات تهريب المخدرات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى حجم الإمكانيات اللوجستية المستخدمة وتشعب العلاقات التي
نسجتها الشبكة داخل وخارج الحدود.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه التحذيرات داخل إسبانيا من التداعيات الأمنية الخطيرة لتدفقات المخدرات القادمة من السواحل المغربية، بعدما تحولت مناطق واسعة من الجنوب الإسباني إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين قوات الأمن وشبكات التهريب.
وفي هذا الإطار، أعربت رئيسة حزب “فوكس” في مقاطعة ويلفا، جنوب البلاد، ماريا لوبيز، عن قلقها الشديد عقب حادث إطلاق النار الذي نفذه مهربو مخدرات فجر اليوم ضد عناصر الحرس المدني خلال عملية استهدفت شحنة تفوق طنا من الحشيش، معتبرة أن ما جرى يمثل دليلا إضافيا على تنامي نفوذ شبكات الاتجار بالمخدرات التي تغذيها المسارات القادمة من المملكة.
وأكدت لوبيز أن مقاطعة ويلفا أصبحت بشكل متزايد هدفا للمنظمات الإجرامية المتخصصة في تهريب المخدرات، محذرة من أن هذه الشبكات باتت أكثر جرأة وتسليحا واستخدامها الأسلحة النارية في مواجهة قوات الأمن لحماية شحنات المخدرات.
كما أشادت بعناصر الحرس المدني الذين تمكنوا من تفادي وقوع خسائر بشرية رغم خطورة المواجهة، مشيرة إلى أن المقاطعة شهدت خلال الأشهر الأخيرة تصاعدا مقلقا في أعمال العنف المرتبطة بتهريب المخدرات القادمة من المغرب.
وتعكس هذه الوقائع المتلاحقة حجم التهديد الذي باتت تمثله تجارة المخدرات المنطلقة من المغرب تجاه أوروبا، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بعمليات تهريب معزولة، بل بشبكات منظمة تمتلك قدرات مالية ولوجستية كبيرة، وتعمل على ترسيخ
اقتصاد موازي إجرامي عابر للحدود يهدد الأمن العام ويقوض جهود مكافحة الجريمة المنظمة.
ومع استمرار اكتشاف الأنفاق السرية وتفكيك شبكات التهريب، تتزايد الأصوات داخل إسبانيا مطالبة بتشديد الإجراءات الأمنية والتصدي بحزم لمسارات تهريب المخدرات القادمة من المغرب، التي تحولت، وفق معطيات التحقيقات، إلى أحد أبرز منافذ تدفق الحشيش نحو أوروبا، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واجتماعية واقتصادية متزايدة على دول القارة.
(وأج)




