أفريقيا

وفاة عاملة مغربية في حقول الفراولة بإسبانيا تكشف فشل السياسات الاجتماعية بالمغرب

أعادت وفاة عاملة زراعية مغربية موسمية بإقليم ويلبا الإسباني إلى الواجهة ملف العاملات المغربيات في القرى الفلاحية الإسبانية، وفتحت من جديد باب التساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي تدفع آلاف النساء المغربيات إلى مغادرة أسرهن وقراهن سنوياً للعمل في ظروف شاقة خارج البلاد. فبعيداً عن الرواية الرسمية التي تقدم الهجرة الموسمية باعتبارها فرصة للشغل وتحسين الدخل، تكشف الوقائع أن هذه الظاهرة ترتبط أساساً بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واتساع دائرة الفقر والهشاشة في المناطق القروية المغربية.

فالعاملات اللواتي يتوجهن إلى حقول الفراولة في إسبانيا لا يهاجرن بحثاً عن الرفاهية أو تحسين المستوى المعيشي فقط، بل هرباً من واقع اقتصادي صعب يتميز بضعف فرص الشغل وغياب بدائل تنموية حقيقية تضمن لهن دخلاً مستقراً داخل المغرب. وقد تحولت الهجرة الموسمية بالنسبة لآلاف النساء إلى خيار اضطراري تفرضه الحاجة والعوز، في ظل استمرار التهميش الذي تعاني منه العديد من المناطق القروية.

وتأتي وفاة العاملة المغربية الأخيرة، والتي أرجعت معطيات نقابية سببها إلى ضربة شمس ناجمة عن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، لتسلط الضوء على الثمن الإنساني الذي تدفعه العاملات مقابل لقمة العيش. كما أعادت إلى الأذهان حوادث مشابهة شهدتها السنوات الماضية، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات الحماية والمراقبة ومدى التزام الجهات المعنية بضمان سلامة العاملات وكرامتهن.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه التنظيمات النقابية والحقوقية عن ظروف عمل وإقامة مقلقة في بعض القرى الفلاحية الإسبانية، يبرز سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمسؤولية السياسات العمومية المغربية في إنتاج هذه الهشاشة. فلو توفرت فرص الشغل اللائق والتنمية المحلية والحماية الاجتماعية الكافية، لما اضطرت آلاف النساء إلى السفر كل عام للعمل في ظروف محفوفة بالمخاطر بعيداً عن أسرهن وأطفالهن.

وتؤكد مطالب تنظيم المرأة بالقطاع الفلاحي التابع للاتحاد المغربي للشغل أن معالجة الأزمة لا تقتصر على تحسين شروط العمل بالخارج، بل تبدأ من الداخل عبر تحسين أوضاع النساء القرويات وضمان حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية. فالهجرة الموسمية ليست سبب المشكلة، بل هي أحد نتائجها المباشرة.

إن استمرار نزيف اليد العاملة النسائية نحو الحقول الأوروبية يعكس فشل السياسات التنموية في توفير بدائل اقتصادية حقيقية داخل المغرب، ويجعل من كل حادثة وفاة أو استغلال أو انتهاك تتعرض له العاملات بالخارج جرس إنذار جديداً بشأن واقع اجتماعي يدفع النساء إلى المخاطرة بحياتهن من أجل تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم.

وتبقى المأساة الأخيرة في ويلبا تذكيراً مؤلماً بأن معالجة جذور الهشاشة والفقر والبطالة في المغرب ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة إنسانية عاجلة لحماية آلاف النساء اللواتي يجدن أنفسهن كل عام أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء في دائرة الفقر أو الهجرة إلى المجهول.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى