
لم تكن مجازر 8 ماي 1945 حدثًا منفصلًا عن سياقها التاريخي، ولا انفجارًا مفاجئًا خارج الزمن السياسي للجزائر الاستعمارية، بل كانت تتويجًا لمسار طويل من التراكمات، بدأت ملامحه تتشكل بوضوح منذ 18 أفريل 1945، حين بدأت القطيعة بين الحركة الوطنية الجزائرية والإدارة الاستعمارية الفرنسية تأخذ طابعًا لا رجعة فيه. بين التاريخين، لم تكن الجزائر تعيش مجرد احتجاجات متفرقة، بل كانت تدخل في مرحلة انتقالية حاسمة من منطق المطالبة إلى منطق الصدام.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجدت الحركة الوطنية نفسها أمام لحظة سياسية دقيقة، اتسمت بتباين الخيارات وتعدد الرهانات. فقد مثّل التيار الإصلاحي بقيادة فرحات عباس، مؤسس حركة أحباب البيان والحرية، صوتًا يراهن على إمكانية تحقيق إصلاحات سياسية داخل الإطار الاستعماري، مستندًا إلى وعود فرنسية قُطعت خلال سنوات الحرب. غير أن صدمة الواقع كانت أقوى من رهانات الخطاب السياسي المعتدل، إذ سرعان ما تبيّن أن تلك الوعود لم تكن سوى أدوات ظرفية مرتبطة بسياق الحرب، وليست التزامًا سياسيًّا حقيقيًّا.
ومع اقتراب ربيع 1945، بدأت ملامح الانفجار تتبلور بشكل أوضح. فقد شكّل 18 أفريل 1945 في قصر الشلالة لحظة مفصلية، حين تحولت مناسبة رسمية حضرها ممثلون عن الإدارة الاستعمارية إلى مواجهة سياسية مباشرة. ففي سياق احتفال رسمي، حاول وفد من مناضلي حزب الشعب الجزائري بقيادة ساعد دحلاب تلاوة بيان سياسي يطالب صراحة بحق تقرير المصير، وهو ما قوبل برفض فوري من السلطات الفرنسية التي أمرت باعتقال الوفد. غير أن هذا الإجراء لم يؤدِّ إلى احتواء الوضع، بل فجّر رد فعل شعبي واسع، تحوّل فيه الاحتجاج إلى انتفاضة ميدانية، تم خلالها تحرير المعتقلين، وتوجيه رمزية قوية ضد رموز السلطة الاستعمارية، في مشهد عكس بداية انهيار هيبة النظام الاستعماري في المخيال الشعبي.
ردّ الفعل الفرنسي لم يتأخر، إذ أعقب تلك الأحداث إنزال عسكري واسع واعتقالات جماعية ومحاكمات سريعة. هذه الإجراءات لم تُسهم في تهدئة الوضع، بل زادت من حدة الاحتقان السياسي والاجتماعي، ودفعت البلاد نحو حالة من التوتر المتصاعد.
وفي الأول من ماي 1945، خرجت مظاهرات عمالية وشعبية ضخمة في الجزائر العاصمة وعدد من المدن، حملت في ظاهرها طابعًا اجتماعيًا، لكنها كانت مشبعة بمطالب سياسية واضحة، على رأسها إطلاق سراح المعتقلين والاعتراف بالحقوق الوطنية. وقد واجهت السلطات الفرنسية هذه المظاهرات بالقوة، حيث أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، لترتفع بذلك درجة التوتر إلى مستوى جديد أكثر خطورة.
بلغ هذا المسار ذروته في 8 ماي 1945، يوم احتفال أوروبا بنهاية الحرب العالمية الثانية، حيث سمحت الإدارة الاستعمارية بتنظيم مسيرات “احتفالية” في الجزائر. غير أن الجزائريين استغلوا هذه المناسبة للتعبير عن مطالبهم الوطنية بشكل علني. في سطيف، تحولت المسيرة السلمية إلى لحظة مواجهة حاسمة عندما حاولت الشرطة انتزاع العلم الوطني من الشاب بوزيد سعال، الذي سقط شهيدًا، لتكون تلك اللحظة الشرارة التي فجّرت سلسلة من الأحداث الدموية عبر عدة مناطق.
سرعان ما تحولت الأوضاع إلى عمليات قمع واسعة النطاق، قادها الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال دوفال، وامتدت إلى سطيف وقالمة وخراطة ومناطق أخرى. وقد تميزت هذه العمليات باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك القصف الجوي واستهداف القرى والمدنيين، في واحدة من أكثر الحملات دموية في تاريخ الجزائر المعاصر. وتشير التقديرات إلى أن عدد الضحايا تراوح بين 45 ألفًا و80 ألف شهيد، رغم محاولات السلطات الاستعمارية التقليل من حجم الكارثة.
لم تكن هذه المجازر مجرد لحظة عنف استعماري، بل شكّلت نقطة تحول استراتيجية في مسار الحركة الوطنية الجزائرية. فقد أدت إلى مراجعة عميقة لخيارات النضال السياسي، ورسخت قناعة متزايدة بأن العمل السلمي لم يعد كافيًا لتحقيق الأهداف الوطنية، وأن الاستعمار لا يستجيب إلا لمنطق القوة. ومن هنا بدأت تتبلور تدريجيًّا ملامح التحضير للعمل المسلح، الذي سيتجسد لاحقًا في تأسيس المنظمة الخاصة سنة 1947، وصولًا إلى اندلاع ثورة نوفمبر 1954.
في المحصلة، تكشف الأحداث الممتدة من 18 أفريل إلى 8 ماي 1945 أن ما جرى لم يكن مجرد سلسلة احتجاجات انتهت بالعنف، بل كان مسارًا تاريخيًّا متصاعدًا، قاد من لحظة الأمل السياسي إلى لحظة الانفجار الدموي، ومن وهم الإصلاح داخل النظام الاستعماري إلى قناعة التحرر الكامل منه. لقد كانت تلك المرحلة لحظة سقوط نهائي لفكرة “الإصلاح الاستعماري”، وبداية تشكل الوعي الثوري الذي سيعيد رسم مسار التاريخ الجزائري لاحقًا.




