
ثلاثة عقود وأكثر مرت على خطة تسوية أممية اتفق فيها المغرب وجبهة البوليساريو على إنهاء النزاع في الصحراء الغربية، من خلال استفتاء تقرير المصير، لكن السؤال الذي أُنشئت من أجله البعثة الأممية لم يجد جوابا نهائيا حتى اليوم: لماذا يخشى المغرب من ممارسة شعب الصحراء الغربية لحقه في تقرير المصير؟ القصة ليست نقصا في المبادرات، ولا فقرا في الخطط، ولا غيابا للوسطاء، وإنما سعي نظام المخزن إلى عرقلة هذا المسار رفضا للمخاطرة بخسارة الاستفتاء.
في 30 أغسطس 1988، وافق المغرب وجبهة البوليساريو على مقترحات التسوية التي قدمها الأمين العام للأمم المتحدة، قبل أن يعتمد مجلس الأمن المسار وينشئ سنة 1991 بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو”.
كان الهدف واضحا، وكانت الخيارات واضحة، وكانت الأمم المتحدة هي الجهة المكلفة بتنظيم العملية. لكن الاستفتاء لم يحدث، لأن المغرب عطّل المسار، ومن هنا بدأت واحدة من أطول حالات الجمود في تاريخ النزاعات التي أحيلت إلى الأمم المتحدة. فبدل أن ينتقل المسار من وقف إطلاق النار إلى ممارسة تقرير المصير، دخل الملف في دوامة من الاعتراضات والترتيبات المغربية المؤجلة، إلى أن أصبح الاستفتاء نفسه، الذي كان يفترض أن يكون محطة حاسمة، عنوانا لأزمة أرادها نظام المخزن ممتدة بلا نهاية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن الوثائق الأممية لا تتحدث عن استفتاء غامض أو مفتوح على احتمالات غير محددة. خطة التسوية التي قامت عليها “مينورسو” نصت على أن يختار شعب الصحراء الغربية بين الاستقلال أو الاندماج. أي أن تقرير المصير لم يكن مجرد شعار دبلوماسي، بل آلية يفترض أن تنتج عنها نتيجة سياسية يختارها الناخبون الصحراويون.
ثم جاءت محطة جيمس بيكر سنة 2003 لتكشف جوهر خوف المخزن بصورة أكثر وضوحا. فقد طرح المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة خطة للسلام وتقرير المصير، نصت على فترة انتقالية تعقبها عملية استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة لتحديد الوضع النهائي للإقليم، مع إبقاء خيار الاستقلال ضمن الخيارات المطروحة. وحظيت الخطة بدعم مجلس الأمن، بينما قبلتها جبهة البوليساريو، في حين ظل المخزن يعاند ويماطل.
وهنا تظهر المفارقة السياسية التي تختصر جانبا أساسيا من مأزق الملف: الاستقلال كان أصلا أحد الخيارات التي نصت عليها خطة التسوية التي وافق عليها طرفي النزاع المغرب والبوليساريو في نهاية الثمانينيات، لكن عندما عاد الخيار نفسه إلى واجهة العملية السياسية ضمن خطة بيكر، أصبح موضع رفض مغربي غير مفهوم. وبذلك لم يعد الاعتراض مجرد اعتراض على التفاصيل التقنية أو آليات التنفيذ، وإنما تحول إلى اعتراض حول السؤال الذي يفترض أن تحسمه العملية برمتها، وهو أن يبقى مستقبل الصحراء الغربية مفتوحا على جميع نتائج تقرير المصير.
وفي أبريل 2004، قدم المغرب رده النهائي على خطة بيكر، ودفع باتجاه حل يقوم على الحكم الذاتي المزعوم. وهنا أخذ مسار القضية منحى مختلفا؛ فبدل أن يكون الاستفتاء آلية لتحديد الوضع النهائي للإقليم، أصبح الحكم الذاتي المزعوم المقترح من الرباط هو الإطار الذي أراد المغرب أن تتحرك داخله العملية السياسية، منتهجا سياسة فرض الأمر الواقع وضاربا عرض الحائط قرارات الأمم المتحدة التي تتحدث عن حل سياسي يتيح تقرير المصير.
ولذلك فإن اختزال فشل العملية السياسية في عبارة «الأمم المتحدة فشلت» يتجاهل مسارا طويلا من الوقائع ومن المناورات المغربية. الأمم المتحدة طرحت خططا، وأنشأت بعثة، وأصدرت قرارات، وأرسلت مبعوثين، ودفعت الطرفين إلى طاولة التفاوض.
والأكثر دلالة أن البعثة التي أنشئت أصلا للمساعدة في تنظيم الاستفتاء لا تزال قائمة بعد أكثر من ثلاثة عقود. “فالمينورسو” لم تختف والنزاع لم يحسم، بل بقيت القضية مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن، واستمرت الأمم المتحدة في البحث عن صيغة لإنهاء النزاع. وهذا وحده يكشف أن مرور الزمن لم يمنح المغرب تفويضا تلقائيا لاعتبار المسألة محسومة.
أما التطورات الأممية الأحدث، فلا تسمح بدورها بالقول إن النزاع انتهى سياسيا. ففي أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 ومدد ولاية “مينورسو” حتى 31 أكتوبر 2026، ودعا الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات برعاية الأمم المتحدة وبمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، مع التأكيد على أن الهدف هو التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من طرفي النزاع ويوفر تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. وهذا يعني أن القرار لم يعلن انتهاء النزاع، بل أبقى العملية السياسية مفتوحة وربط نهايتها بحل سياسي نهائي.
ومن هنا فإن محاولة تقديم التطورات الأخيرة باعتبارها انتصارا نهائيا للمغرب تتجاوز مضمون القرار نفسه. فالسياسة الدولية لا تحسم بالخطابات وحدها، والقرارات الأممية لا تقرأ بالانتقاء.
ومن هنا يمكن فهم المسؤولية السياسية المغربية في تعثر المسار دون الحاجة إلى مبالغات أو شعارات. فالمغرب كان طرفا أساسيا في المسار منذ بدايته، وقبل في نهاية الثمانينيات خطة تقوم على استفتاء يتضمن خيار الاستقلال، ثم رفض لاحقا خطة بيكر عندما تضمنت الاستقلال ضمن الخيارات المطروحة، وانتقل بعد ذلك إلى الدفع بالحكم الذاتي المزعوم. وهذه مسيرة يمكن تتبع محطاتها في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة.
وفي النهاية، فإن مرور الزمن لا يحول الاحتلال إلى حقيقة محسومة. ما يحسم النزاعات هو كفاح الشعوب وإرادتها وحقها الكامل في تقرير مصيرها والاستقلال بما يتماشى والقانون الدولي ولوائح الأمم المتحدة.
فالحل الحقيقي لا يبدأ بفرض مستقبل الصحراء الغربية على شعبها، بل بترك شعب الصحراء الغربية، صاحب الأرض، يقرر مصيره.




