
خلف الخطاب الرسمي الذي يروّج للأخوة الإقليمية والسلام والتعاون، يتوارى تحالف ثلاثي عدواني تتقاطع فيه المصالح والأدوات. وبالاعتماد على البترودولارات الإماراتية، والدبلوماسية العدوانية للمخزن، والتكنولوجيا الأمنية الصهيونية، يضاعف هذا المحور مناوراته الهادفة إلى محاصرة الجزائر وخنقها وزعزعة استقرارها، باعتبارها إحدى آخر قلاع المقاومة السيادية في شمال إفريقيا وفي العالم العربي-الإسلامي.
الجزائر في مرمى النار: ثمن عدم الانصياع والوفاء لفلسطين
بالنسبة إلى الجزائر، تعود نقطة التحول في هذا العداء المفتوح إلى سبتمبر 2020. ففي الوقت الذي كانت فيه ما يسمى بـ “اتفاقيات أبراهام” المشؤومة تكرّس رسميا «الهرولة»، أي السباق المحموم نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، واجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هذا المسار برفض قاطع، مجددا التأكيد على الدعم الثابت للجزائر للحق المشروع للشعب الفلسطيني.
وقد حوّل هذا الموقف المبدئي الجزائر إلى هدف ذي أولوية بالنسبة إلى محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وإلى زميله السابق في الدراسة بالكلية الملكية بالرباط، الملك محمد السادس. وبما أنه لا يستطيع خوض مواجهة مباشرة مع الجزائر، لجأ هذا الثلاثي إلى حرب هجينة تجمع بين الضغوط الاقتصادية، والتطويق الجيوسياسي، ودعم الإرهاب.
إمارات أبو ظبي: مصرف الفوضى والإرهاب في الساحل
تحليل أجهزة الأمن والمراقبين الجزائريين لا يترك مجالا للالتباس: فقد جعل محمد بن زايد من زعزعة الاستقرار والفوضى عقيدة للدولة. فبعد تمويل انقسام ليبيا، وتغذية الحرب في اليمن، والتسبب في انهيار السودان — كما أدانت ذلك عدة تقارير للأمم المتحدة — خصصت الإمارات العربية المتحدة جانبا من تحركها لتوجيه عائداتها وأدواتها ضد استقرار جنوب الجزائر، أي منطقة الساحل.
وعلى أرض الواقع، تبدو الاستراتيجية الإماراتية سامة بشكل خاص. إذ تُتهم أبو ظبي بتمويل جماعات إرهابية مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية في الساحل بشكل نشط، من خلال دفع فديات ضخمة وتسليم أسلحة. والهدف مزدوج: إبقاء الجيش الجزائري منشغلا على حدوده، وتحويل منطقة الساحل إلى برميل بارود يستحيل التحكم فيه.
وبالتوازي، تدعم الأموال الإماراتية حركة الماك، وهي منظمة تصنفها الجزائر كمنظمة إرهابية، بهدف تفتيت الوحدة الوطنية من الداخل.
المخزن والكيان: التحالف الأمني وسباق التسلح
في هذا التحالف، يؤدي نظام المخزن المغربي، القائم على اقتصاد المخدرات، دور منصة الإطلاق القارية. فالمخزن، المموّل بالكامل من الخزائن الإماراتية، انخرط في سباق محموم نحو التسلح. لكن التهديد الحقيقي يكمن في إدخال الكيان الصهيوني إلى أبواب الجزائر.
ويترجم هذا التعاون الأمني الصهيوني-المغربي إلى نشر تكنولوجيات متطورة، من قبيل طائرات هجومية مسيرة، وأنظمة تجسس بيغاسوس، وحرب سيبرانية، مخصصة للتجسس على المؤسسات الجزائرية وشن حملات تضليل واسعة النطاق للتلاعب بالرأي العام.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن رؤية الرباط تتحالف مع المسؤولين عن الإبادة الجماعية في غزة لتهديد بلد شقيق تمثل خيانة تاريخية لا تغتفر.
الحرب الاقتصادية: محاولة المساس بالمحيط الاستراتيجي للجزائر
لا يتوقف عداء هذا المحور عند الحدود العسكرية، بل انتقل إلى المجال الاستراتيجي للطاقة. وقد حددت الجزائر بشكل واضح المناورات المشبوهة لأبو ظبي الرامية إلى إضعاف المصالح الاقتصادية للبلاد. وبعض المحاولات للمس بالتوازنات التي تهيكل محيط الجزائر الاستراتيجي.
خاصة مع وجود تنافس متزايد على خلفية السيطرة على مناطق النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل وعلى طول المحاور الإستراتيجية التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالمنطقة الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء. فإن الجزائر قد توصلت إلى نتيجة هي أن بعض الديناميكيات قد تجاوزت عتبة حرجة وقد تكون لها انعكاسات مباشرة على مصالحها الحيوي
رد الجزائر: السيادة خط أحمر
أمام تكاثر هذه الاستفزازات الخفية، اختارت الجزائر طريق الوضوح الاستراتيجي. ومن خلال إقرار القطيعة وإعادة ضبط دبلوماسية حازمة، تثبت الجزائر أنها فككت بشكل كامل الطبيعة العميقة لهذا المحور.
وتبقى العقيدة الجزائرية دون تغيير: لن يتم تقديم أي تنازل بشأن السيادة الوطنية، ولن تنحني البلاد أمام الابتزاز المالي أو التكنولوجي لهذا العدوان الثلاثي.
وببقائها محور الاستقرار في شمال إفريقيا والمدافع عن القضايا العادلة، تفرض الجزائر نفسها باعتبارها العقبة الرئيسية أمام إعادة التشكيل الجيوسياسي المدمر الذي يريده محور الرباط-أبو ظبي-الكيان.
تتجاوز ديناميكية ما يسمى بـ «اتفاقيات أبراهام” إطار الشرق الأوسط لتمتد إلى شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. وفي هاتين المنطقتين، يسعى الفاعلون الثلاثة في محور الشر إلى تعزيز نفوذ كل منهم، على حساب زعزعة استقرار دول المنطقة. وينبع قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر من جهة، والمغرب والإمارات من جهة أخرى، من موقف استباقي ومدروس إزاء إعادة تشكيل إقليمي لم تعد أهدافه العدائية تجاه الجزائر بحاجة إلى برهان.




