
لم تكن كلمة الرئيس الصحراوي إبراهيم غالي أمام قمة لواندا مجرد تجديد لموقف سياسي معروف، بل جاءت لتضع قضية الصحراء الغربية في صلب المبادئ التي تحكم النظام الإفريقي برمته: تصفية الاستعمار، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض الاحتلال والتوسع، وعدم تغيير الحدود بالقوة. وهي مبادئ لا تترك مساحة كبيرة للمناورات السياسية ولا تسمح بتحويل قضية تصفية استعمار إلى نزاع حدودي مصطنع.
الأهم في خطاب لواندا أن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لم تظهر كطرف هامشي في نقاش إفريقي عابر، وإنما كدولة عضو في الاتحاد الإفريقي تطرح رؤية متكاملة لتعزيز منظومة السلم والأمن في القارة. وعندما يؤكد مشروع مقرر القمة أن الدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير أحد الأهداف الأساسية للاتحاد الإفريقي، فإن ذلك يعيد وضع القضية الصحراوية داخل الإطار الذي تنتمي إليه قانونيا وسياسيا، بعيدا عن محاولات الاحتلال المغربي لفرض أمر واقع بالقوة.
وهنا تكمن الرسالة الأكثر وضوحا: الجمهورية الصحراوية حقيقة إقليمية وقارية ودولية لا يمكن شطبها ببيانات سياسية أو حملات دبلوماسية. وجودها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل يعكس واقعا سياسيا وقانونيا كرسته عضويتها في المنظمة القارية، ويجعل أي تصور لنظام المخزن لإقصائها من المعادلة الإفريقية وهما بعيدا عن السياسة الواقعية.
أما الرهان على الزمن لفرض الاحتلال المغربي كأمر واقع، فيصطدم مباشرة بالمبدأ الذي أكدته قمة لواندا: لا سلام دائم في إفريقيا مع بقاء قضايا تصفية الاستعمار معلقة، ولا استقرار حقيقي يمكن أن يقوم على التوسع وفرض الحدود بالقوة. فالقارة التي دفعت ثمنا باهظا للتحرر من الاستعمار لا يمكنها أن تقبل بأن تتحول مبادئها إلى شعارات انتقائية تُرفع عندما تخدم المصالح وتُهمَل عندما تتعارض معها.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن الجمهورية الصحراوية باعتبارها عامل أمن واستقرار وتوازن في المنطقة يكتسب دلالة أوسع. فالدولة الصحراوية ليست مجرد نتيجة لمسار تاريخي، بل جزء من معادلة الأمن الإفريقي، بينما يظل استمرار النزاع دون حل عادل مصدرا دائما للتوتر وعدم الاستقرار في منطقة تحتاج إلى تسوية قائمة على الشرعية الدولية والإفريقية، لا على سياسة فرض الأمر الواقع.
لقد أعادت قمة لواندا وضع النقاش في مكانه الصحيح: المسألة ليست من يملك القدرة على فرض روايته، وإنما من يحترم قواعد الاتحاد الإفريقي ومبادئ تصفية الاستعمار وتقرير المصير. وعندما يصبح احترام تلك المبادئ شرطا للسلام الدائم، فإن كل مشاريع التوسع والضم وفرض الأمر الواقع تصبح في مواجهة مباشرة مع الأساس الذي قامت عليه المنظومة الإفريقية نفسها.
ولهذا تبدو الرسالة الصحراوية من لواندا واضحة وحاسمة: الجمهورية الصحراوية ليست ورقة تفاوض يمكن سحبها من الطاولة، ولا حقيقة مؤقتة تنتظر الاعتراف بها، بل واقع سياسي وقاري راسخ. أما الوهم القائل بإمكانية دفن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره تحت ضغط الزمن والوقائع المفروضة، فإنه يصطدم كل مرة بالمبدأ ذاته: تصفية الاستعمار لم تكتمل، وتقرير المصير لم يسقط، والجمهورية الصحراوية باقية داخل المعادلة الإفريقية.




