
لم يكن تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بشأن سبتة الإسبانية مجرد رسالة تضامن عابرة مع إسبانيا، بل حمل دلالة سياسية واضحة أمام محاولات الابتزاز المخزنية.
فأمام البرلمان الأوروبي، أعلنت فون دير لاين بعبارات لا تحتمل التأويل السياسي داخل الاتحاد الأوروبي أن “حدود سبتة هي حدود أوروبية. لأن سبتة هي إسبانيا. سبتة هي أوروبا، وأوروبا ستكون إلى جانبكم.”
وبذلك انتقلت قضية سبتة، في الخطاب الأوروبي الرسمي، من مستوى الخلاف الإسباني-المغربي إلى مستوى أوسع: حدود الاتحاد الأوروبي وأمنه الجماعي. وهذه النقلة تحمل رسالة مباشرة إلى الرباط: عندما يتعلق الأمر بسبتة، فإن إسبانيا لا تقف وحدها.
بروكسل تدخل على الخط
الأهم من التصريح السياسي هو ما رافقه من إجراءات عملية. ففي 9 سبتمبر، أعلنت المفوضية الأوروبية تخصيص 114.7 مليون يورو لإسبانيا لمواجهة تداعيات عمليات الهروب الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليو.
وتشمل المساعدات تعزيز مراقبة الحدود وحمايتها، وتوفير معدات وتقنيات للمراقبة، ودعم البنية التحتية الأمنية، وزيادة قدرات الاستقبال، إضافة إلى دعم عمليات العودة. كما أعلنت المفوضية تعبئة فرونتكس ويوروبول ووكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي لمساندة السلطات الإسبانية.
أي أن بروكسل لم تكتفِ بالقول إن سبتة «أوروبية»، بل بدأت تضع المال والأجهزة والمؤسسات الأوروبية خلف هذا الموقف. وهنا تصبح الرسالة أكثر وضوحا: أي محاولة لتحويل الضغط على سبتة إلى ورقة تفاوض ثنائية مع مدريد ستجد نفسها أمام طبقة أوروبية جديدة من الحماية السياسية والأمنية.
عندما يصطدم الابتزاز المغربي بالواقع الأوروبي
على مدى سنوات، سعى المغرب دون جدوى إلى توسيع حضوره السياسي والاقتصادي والأمني في محيطه الإقليمي، وربط ملفات متعددة بعلاقاته مع أوروبا، من الهجرة إلى التجارة والاستثمار والصحراء الغربية، لكن أزمة سبتة أظهرت حدود هذه المقاربة.
فبمجرد أن تحولت الأزمة إلى قضية تتعلق بالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لم تعد المسألة محصورة في قدرة الرباط على إدارة علاقتها مع مدريد لأن فون دير لاين قالت صراحة إن الحل يجب أن يكون أوروبيا، وربطت سبتة بميثاق الهجرة واللجوء وبالحاجة إلى تطوير أدوات أوروبية للتعامل مع حالات الطوارئ والتحركات الجماعية. كما أعلنت عن مقترح لإطار أوروبي جديد للاستجابة للطوارئ، على أن يُفعّل وفق معايير محددة وفي ظروف استثنائية.
وهذا يعني أن المغرب يجد نفسه أمام معادلة صعبة ومختلفة: كلما حاول جعل ملف سبتة ورقة ضغط على مدريد، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
والأكثر أهمية أن هذا الموقف جاء من أعلى مستوى في السلطة التنفيذية الأوروبية، وفي جلسة رسمية أمام البرلمان الأوروبي. بمعنى آخر، لم يعد الأمر مجرد تصريح لسياسي إسباني يمكن للرباط الرد عليه باعتباره موقفا وطنيا إسبانياً، لقد أصبح الخطاب: سبتة إسبانيا، وسبتة أوروبا.
هل كانت سبتة اختبارا للمغرب؟
الأحداث التي وقعت في جويلية طرحت أسئلة كبيرة حول الحدود والهجرة والأمن، فحسب رويترز، كشفت وثائق استخباراتية إسبانية أن جهاز الاستخبارات الإسباني حذر قبل موجة العبور الجماعي من وجود خطط لمحاولة دخول جماعي إلى سبتة مما يوحي بتخطيط مسبق من المغرب.
المشكلة بالنسبة إلى المغرب الآن ليست في خسارة معركة إعلامية حول تصريح أوروبي، وإنما في كون المشهد الأوروبي نفسه قد تغير. فالاتحاد الأوروبي بات يتعامل مع أمن الحدود والهجرة باعتبارهما ملفين جماعيين، والمفوضية تقول إن أدوات الاتحاد يجب أن تتطور خصوصا في حالات الطوارئ والتحركات الجماعية التي تراها المؤسسات الأوروبية منظمة أو «مُسلّحة» سياسيا.
وفي هذه البيئة، تصبح أوراق الضغط التقليدية التي يحاول المغرب استخدامها أكثر تعقيدا بالنسبة له، فالهجرة لم تعد مجرد ملف ثنائي، والحدود لم تعد مجرد قضية إسبانية، وسبتة لم تعد، في الخطاب الأوروبي، مجرد مدينة تقع في شمال أفريقيا: إنها، وفق التعبير الصريح لرئيسة المفوضية الأوروبية، حدود أوروبا.
درس سبتة: أوروبا ترسم خطاً أحمر
الاتحاد الأوروبي أعلن أنه لن ينظر إلى أمن سبتة باعتباره شأنا إسبانيا محض، وهذا هو الجزء الذي ينبغي أن يقرأه المخزن بعناية. فطموحات النفوذ الإقليمي الوهمية شيء، والقدرة على فرضها على محيط أوروبي متماسك شيء آخر.
وقد أثبتت أزمة سبتة أن بين الاثنين مسافة كبيرة. ففي الوقت الذي تحاول فيه الرباط بناء نفوذ وهمي أوسع في المنطقة، جاء الرد الأوروبي من بروكسل: المال موجود، والمؤسسات الأوروبية موجودة، وفرونتكس موجودة، والدعم السياسي لإسبانيا معلن على أعلى مستوى.
ومن هنا يمكن قراءة تصريح فون دير لاين باعتباره رسالة سياسية أبعد من سبتة نفسها: هناك ملفات لن تقبل بروكسل بأن تبقى رهينة للتوازنات الثنائية، وأزمة سبتة كشفت أن المشروع الوهمي المغربي يصطدم، عندما يصل إلى تخوم إسبانيا، بجدار أوروبي أكثر صلابة مما قد يبدو من خارج بروكسل.
رسالة بروكسل الأولى كانت واضحة: سبتة ليست ورقة ابتزاز مغربية، في الحساب الأوروبي، إنها حدود أوروبية.




