
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية محصورة في جبهات القتال التقليدية، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة مع الانتشار المتسارع للطائرات المسيّرة الإماراتية واتساع نطاق الضربات لتطال مناطق مدنية وبنى تحتية وطرقا مخصصة لإيصال المساعدات الإنسانية.
وفي خضم هذا التصعيد، تتجه أصابع الاتهام إلى الدعم الخارجي، وفي مقدمته الدعم المنسوب إلى الإمارات، باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في إطالة أمد الحرب وتعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، عبر شبكات إمداد وتكنولوجيا عسكرية ومعدات متطورة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من التأثير المدمر للتصعيد الجوي على المدنيين والعمل الإنساني. فقد أكد تقرير لبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة والأفراد، ساهم في استمرار الحرب وتفاقم معاناة المدنيين. كما أفادت رويترز بأن البعثة ربطت انتشار الدعم الخارجي باستخدام المسيّرات في هجمات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى خلال النصف الأول من 2026.
الإمارات.. اسم يتكرر في ملف الدعم الخارجي
وسط هذا المشهد، يبرز الدور الإماراتي بوصفه واحدا من أكثر ملفات التدخل الخارجي في الأزمة السودانية.
وتشير وثائق ومداخلات داخل الأمم المتحدة إلى اتهامات متكررة بوجود شبكات دعم مرتبطة بالإمارات وقوات الدعم السريع، تشمل التمويل والمعدات العسكرية والتكنولوجيا المتطورة. كما تتحدث وثائق أممية عن اتهامات بتوفير الإمارات لأسلحة ومسيّرات للدعم السريع عبر مسارات إقليمية.
فاستمرار ورود اسم الإمارات في تقارير وملفات أممية ودولية يضع الدعم الخارجي للحرب أمام تدقيق متزايد، خصوصا مع التطور الكبير في قدرات المسيّرات واتساع رقعة استخدامها ضد أهداف عسكرية ومدنية.
المسيّرات.. سلاح غيّر وجه الحرب
لقد غيّر انتشار الطائرات المسيّرة طبيعة الحرب في السودان بصورة عميقة. فوفق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، تسببت ضربات المسيّرات بين جانفي وأفريل 2026 في مقتل ما لا يقل عن 880 مدنيا، وهو ما يمثل أكثر من 80 بالمائة من إجمالي الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع خلال تلك الفترة، بحسب مكتب حقوق الإنسان الأممي. وحذر المفوض فولكر تورك من أن المسيّرات أصبحت السبب الرئيسي لوفيات المدنيين في الحرب.
ولم تعد الهجمات الجوية مقتصرة على الخطوط الأمامية، بل باتت تضرب مناطق سكنية ومنشآت مدنية ومرافق حيوية وطرقًا لوجستية، ما جعل مساحات واسعة من السودان عرضة للخطر حتى خارج ساحات الاشتباك التقليدية.
وفي جويلية 2026، حذر الأمين العام للأمم المتحدة من تصاعد هجمات المسيّرات في محيط مدينة الأبيض، مشيرا إلى تأثيرها على المدنيين والبنية التحتية المدنية، فيما قُتل عامل إغاثة بين المدنيين الذين قضوا في ضربات استهدفت أحياء سكنية.
حتى قوافل الإغاثة لم تعد بمنأى عن النار
الأخطر أن نيران الحرب باتت تطارد حتى الشاحنات التي تحمل الغذاء والمأوى والمساعدات إلى المدنيين.
ففي فيفري 2026، تعرضت شاحنات متعاقدة مع برنامج الأغذية العالمي لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال كردفان، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخرين، واحتراق الشاحنات وتدمير مواد غذائية كانت مخصصة للعائلات النازحة.
وفي أفريل، تعرضت شاحنة تحمل مواد إغاثية تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لهجوم بمسيّرة في شمال دارفور. ودمرت النيران كامل المساعدات التي كانت متجهة إلى منطقة تؤوي أكثر من 700 ألف نازح، فيما أكدت المفوضية أن تصاعد استخدام المسيّرات منذ بداية 2026 أدى إلى سقوط مئات المدنيين.
وفي جويلية، تعرضت شاحنة أخرى متعاقدة مع المفوضية لهجوم بمسيّرة، ما أدى إلى تدمير 50 طنًا من مواد الإغاثة كانت متجهة إلى سكان في جنوب كردفان. ووصفت الأمم المتحدة ذلك بأنه جزء من نمط مقلق من الهجمات التي تطال المدنيين وقوافل المساعدات الإنسانية.
حرب تُغلق طرق النجاة أمام السودانيين
وهكذا، لم يعد السلاح يقتل المدنيين فقط، بل أصبح يهدد أيضا الطرق التي يفترض أن تصل عبرها المساعدات إليهم.
فكل قافلة إغاثة تتعرض للهجوم تعني مزيدا من الغذاء المفقود، ومزيدا من الأدوية التي لا تصل إلى وجهتها، ومزيدا من العائلات التي تُترك لمصيرها في مناطق تعاني أصلا من النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
وقد أكدت الأمم المتحدة مرارا ضرورة حماية العاملين في المجال الإنساني والإمدادات الإنسانية، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة وسريعة ومن دون عوائق.
الدعم الخارجي.. وقود إضافي لحرب لا تنتهي
في هذا السياق، يصبح تدفق السلاح والتمويل والخبرات والتكنولوجيا العسكرية عاملا بالغ الأهمية في تفسير قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال وتوسيع نطاق عملياتها.
وتشير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أن الدعم العسكري الخارجي، بما يشمله من أسلحة ومسيّرات وأفراد، ساهم في استمرار الحرب وزيادة معاناة المدنيين، فيما دعت إلى تطبيق أوسع لحظر الأسلحة المفروض على دارفور.
وتظهر الإمارات في قلب هذه المعاناة بسبب استمرار ورود اتهامها في الوثائق والتقارير الدولية الذي يجعل ملف الدعم الخارجي أحد المفاتيح الأساسية لفهم أسباب استمرار النزاع وتصاعده.
السودان يدفع الثمن
في النهاية، يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر لهذه الحرب المتواصلة. فالمسيّرات الإماراتية توسع دائرة الموت، والأسلحة المتطورة تطيل قدرة الأطراف على القتال، والهجمات على الطرق والقوافل تعرقل وصول المساعدات، بينما تتزايد أعداد النازحين وتتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات الهائلة.
وفي سبتمبر 2026، حذر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم أزمة الجوع في السودان، مشيرا إلى أن الحرب أدت إلى نزوح نحو 14 مليون شخص، وأن قرابة 20 مليون شخص يواجهون الجوع، في وقت تواجه فيه عمليات الإغاثة نقصا حادا في التمويل.
وهكذا، تتحول الحرب في السودان إلى مأساة تتجاوز حدود المعركة العسكرية: كلما تطورت أدوات القتال وتوسعت شبكات الدعم الإماراتي الخارجي، ضاقت مساحة الأمان أمام المدنيين، وتراجعت فرص وصول الغذاء والدواء والمأوى إلى ملايين السودانيين.
وفي قلب هذا المشهد، يبقى السؤال عن مسؤولية الجهات الإماراتية التي توفر المال والسلاح والتكنولوجيا حاضرا بقوة، فيما تواصل الأمم المتحدة التحذير من أن استمرار تدفق الدعم العسكري لا يؤدي إلا إلى تعقيد فرص التهدئة وإطالة أمد الحرب.



