الجزائر تهدي العالم ثقافة السلام.. ومبادرتها الأممية تكرّسها قوة دبلوماسية لصناعة التعايش العالمي

في عالم تتسارع فيه الأزمات وتكثر فيه الحروب، وتتّسع فيه هوّة الانقسام، وتتعالى فيه أصوات الكراهية والإقصاء، تبرز الجزائر مرة أخرى كصوت للحكمة وراعية لقيم السّلم والتعايش، بعدما نجحت قبل سنوات في إقناع الأمم المتحدة باعتماد السادس عشر من ماي “يوما عالميا للعيش معا في سلام”، في خطوة شكّلت اعترافًا دوليًا بمكانة الجزائر كقوة اقتراح دبلوماسي تمتلك رؤية إنسانية متبصّرة، وتجربة تاريخية ثرية في صناعة السلام والمصالحة.
لم تكن المبادرة الجزائرية مجرّد تحرّك دبلوماسي عابر داخل أروقة الأمم المتحدة، بل جاءت تعبيرًا عميقًا عن فلسفة سياسية وإنسانية متجذّرة في وجدان الدولة الجزائرية، المستمدّة من تاريخها النضالي المجيد، ومن تجربتها الرائدة في تجاوز المحن عبر ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الذي تحوّل إلى نموذج يُحتذى به في كيفية تضميد الجراح وإعادة بناء الثقة الوطنية على أسس الحوار والتسامح والتعايش.
إن تبنّي الأمم المتحدة لهذه المبادرة سنة 2017 لم يكن فقط تتويجًا لجهد دبلوماسي ناجح، بل هو اعتراف عالميّ بالدور الريادي الذي تضطلع به الجزائر في ترسيخ ثقافة السلام، وتحويل رصيدها التاريخي إلى إطار مرجعي وأداة تأثير في هندسة السلام العالمي. فقد استطاعت الجزائر أن تنقل مفهوم “العيش المشترك” من مجرّد قيمة أخلاقية وإنسانية إلى مستوى الالتزام المؤسساتي متعدّد الأطراف، لتصبح هذه الفكرة جزءًا من الأجندة الأممية الرامية إلى حماية الإنسانية من مخاطر الكراهية والتطرّف والانقسام.
ويكتسي إحياء “اليوم العالمي للعيش معًا في سلام” هذه السنة أهمية خاصة، في ظل شعار الأمم المتحدة لسنة 2026: “بناء الثقة عبر الحوار والإدماج والمصالحة”، وهو شعار يعكس بوضوح جوهر الرسالة التي حملتها الجزائر إلى العالم. فالثقة اليوم أصبحت عملة نادرة في العلاقات الدولية، كما أن الحوار والإدماج لم يعودا مجرّد خيارات سياسية، بل ضرورة وجودية لضمان استقرار المجتمعات وصون مستقبل البشرية.
لقد أثبتت الجزائر، عبر هذه المبادرة، أنها لا تكتفي بالدفاع عن السلم كشعار، بل تعمل على ترسيخه كممارسة دولية وثقافة إنسانية شاملة، فهي الدولة التي دفعت ثمنًا باهظًا من أجل استعادة أمنها واستقرارها، ثم اختارت أن تحوّل آلامها وتجربتها إلى رسالة أمل موجّهة إلى العالم أجمع، مفادها أن المصالحة ممكنة، وأن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدل والثقة والاعتراف المتبادل.
إن العالم اليوم، وهو يحيي “اليوم العالمي للعيش معًا في سلام”، يستحضر بإجلال الدور الجزائري في نشر قيم الوفاق والتعايش، ويؤكد أن الجزائر ما تزال وفيّة لتاريخها ورسالتها الإنسانية، حاملةً لواء السلام، ومدافعة عن حق الشعوب في الأمن والكرامة والتضامن.
وهكذا، تواصل الجزائر ترسيخ مكانتها كدولة سلام وحوار، وكفاعل دولي يؤمن بأن مستقبل البشرية لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس الاحترام المتبادل، والتنوع الخلاق، والانتصار للقيم الإنسانية الجامعة.




