الأخبارالجزائر

الجزائر تفتح جامعاتها على العالم وتراهن على المعرفة لصناعة اقتصاد المستقبل

لا تكتفي الجزائر بتوسيع مقاعد الجامعة، بل تدفع بالمؤسسة الجامعية نحو مرحلة جديدة تتقاطع فيها المعرفة مع التكنولوجيا والابتكار والتنمية، في توجه يعكس رؤية تقوم على بناء جامعة قادرة على إنتاج الكفاءات وتوطين التكنولوجيا والمساهمة في خلق الثروة.

ويحمل الدخول الجامعي الجديد مؤشرا لافتا على البعد الدولي الذي باتت تراهن عليه الجزائر، مع استقبال 2600 طالب دولي من 36 جنسية ضمن برنامج «أدرس في الجزائر»، بما يعزز حضور الجامعة الجزائرية كفضاء للتكوين والانفتاح الأكاديمي والتبادل مع محيطها الإفريقي والدولي.

ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التي تضع الجامعة في صميم مسار بناء اقتصاد قائم على المعرفة، من خلال الانتقال من نموذج يركز على استيراد التكنولوجيا إلى نموذج يستثمر في الكفاءات الوطنية والبحث العلمي والقدرة على تطوير الحلول محليا.

وفي هذا السياق، تتجه الجامعة الجزائرية بقوة نحو تخصصات ترتبط مباشرة بتحولات الاقتصاد العالمي ومهن المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقات المتجددة والتكنولوجيا الحيوية، إلى جانب المقاولاتية والابتكار، بما يكرس مفهوم “الجامعة الذكية، المقاولاتية والمنتجة للمعرفة والثروة”.

وتترجم هذه الرؤية ميدانيا باستحداث 13 تخصصا جديدا مرتبطا بمهن الغد، من بينها مسار مهندس دولة في الذكاء الاصطناعي، وماستر مدمج في التكنولوجيات الكمية، وماستر في التشغيل البيني لأنظمة المعلومات، إلى جانب ماستر في ميكانيك الأنظمة الفضائية. وهي تخصصات تكشف عن تحول واضح في طبيعة التكوين الجامعي نحو مجالات ترتبط بالتكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية.

ولا تتوقف عملية التحديث عند المجالات التقنية، إذ يشمل التطوير أيضا قطاع الطب وعلوم الصحة، بالتنسيق مع وزارة الصحة، من خلال فتح تخصصات جديدة تشمل ليسانس في صحة ونظافة الأسنان، وماسترات في الاستشارة الوراثية والذكاء الاصطناعي الطبي والبيو-معلوماتية الطبية وعلم الإدمان، إضافة إلى شهادة دراسات ما فوق التخصص في الطب الدقيق.

وفي موازاة الانفتاح على العلوم والتكنولوجيا، تحافظ الجامعة الجزائرية على بعدها الهوياتي والوطني، من خلال استحداث تكوين في علوم الإعلام والاتصال باللغة الأمازيغية، تخصص سمعي بصري، إلى جانب تعميم تدريس مادتي تاريخ الجزائر والمواطنة والوطنية على مختلف ميادين التكوين.

ويأخذ الانفتاح الدولي بدوره بعدا متزايدا، مع اعتماد ستة عروض تكوين جديدة في إطار اتفاقيات التوأمة والشراكات الدولية، بما يعكس توجها نحو تعزيز حضور الجامعة الجزائرية في الفضاء الأكاديمي الدولي، بالتوازي مع استقبال آلاف الطلبة القادمين من بلدان مختلفة.

ومن أبرز محطات هذا الدخول الجامعي أيضا إطلاق أول ماستر أكاديمي في الجزائر في مجال «صحافة وكالات الأنباء»، بشراكة بين جامعة الجزائر 3 «إبراهيم سلطان شيبوط» ووكالة الأنباء الجزائرية، في خطوة تجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة المهنية وتستجيب للتحولات العميقة التي يعرفها قطاع الإعلام في العصر الرقمي.

وتكشف هذه المستجدات مجتمعة أن الرهان الجزائري على الجامعة لم يعد محصورا في زيادة أعداد الطلبة أو توسيع عروض التكوين، بل يتجه نحو إعادة تعريف وظيفة الجامعة نفسها: مؤسسة تنتج المعرفة، وتطور التكنولوجيا، وتحتضن الابتكار، وتؤهل كفاءات قادرة على الاندماج في اقتصاد المستقبل.

ومن الذكاء الاصطناعي إلى التكنولوجيات الكمية، ومن الأمن السيبراني إلى التكنولوجيا الحيوية، ومن الطب الدقيق إلى تكنولوجيا الفضاء، ومن تكوين الصحفيين إلى استقطاب الطلبة الدوليين، ترسم الجزائر ملامح جامعة تريد أن تكون جزءا من مشروع بناء اقتصاد جديد، لا مجرد فضاء لمنح الشهادات.

وهنا تكمن دلالة التحول: الجامعة الجزائرية تُدفع تدريجيا من موقع مستهلك للمعرفة إلى موقع أكثر فاعلية في إنتاجها وتوطينها وتحويلها إلى قيمة مضافة، بما يخدم التنمية الوطنية ويعزز حضور الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى