الجزائر تتطلّع للارتقاء بالعلاقات مع البوسنة والهرسك بما يليق بصلابة مقوماتها
تنتميان إلى فضاءين جيوسياسيين دفعا ضريبة باهظة للانقسامات والانشقاقات
أكد وزير الدولة وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، اليوم الاثنين، أن الرصيد التاريخي المشترك بين الجزائر ودولة البوسنة والهرسك يستحق من الطرفين اليوم كل الامتنان والتثمين، مؤكدا تطلّع الجزائر لمواصلة وتكثيف العمل من أجل تحويل هذه الآفاق الواعدة إلى مشاريع عملية تعود بالنفع على البلدين الصديقين وتسهم في الارتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى المراتب التي تليق بثراء مخزونِها وصلابة مقوّماتها.
وجاءت تصريحات أحمد عطاف اليوم خلال استقباله وزير الشؤون الخارجية لدولة البوسنة والهرسك، علم الدين كوناكوفيتش، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الجزائر. وحسب بيان للخارجية الجزائرية، فقد أجرى عطاف لقاء على انفراد مع نظيره البوسني، تلته جلسة عمل موسّعة بمشاركة وفدي البلدين. وقد سمحت المحادثات بين الوزيرين باستعراض واقع العلاقات الثنائية بين الجزائر ودولة البوسنة والهرسك، وبحث سبل توطيدها.
وقال أحمد عطاف في كلمته إن هذه “الزيارة الرسمية الواعدة بالنسبة للعلاقات بين بلدينا الصديقين جاءت في توقيت يكتسي دلالة خاصة ومميَّزة، كونه يتزامن مع احتفالنا بالذكرى الرابعة والثلاثين لاعتراف الجزائر بدولة البوسنة والهرسك يوم 24 أفريل سنة 1992، والأكيد أن هذا التزامن يتجاوز بالنسبة لنا بعده الرمزي ليذكّرنا بجملة من الحقائق التاريخية التي نعتز بها أيما اعتزاز”.
ومن ضمن ما أشار إليه أحمد عطاف في كلمته حقيقة أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة البوسنة والهرسك، أياما قلائل فقط بعد إعلان استقلالها، أي حتى قبل انضمامها لمنظمة الأمم المتحدة شهر ماي من ذات العام. وأضاف أن العلاقات بين الشعبين الصديقين تعود إلى تاريخ طويل، يسبق بكثير إقامة العلاقات الدبلوماسية الثنائية، وقال: “ذاكرتنا المشتركة تحتفظ في أبهى سجلاّتها بالدّعم القيّم الذي لقته ثورتنا التحريرية المجيدة من لدن أصدقائنا في البوسنة والهرسك، شأنهم في ذلك شأن سائر الشعوب الصديقة في جمهوريات يوغوسلافيا السابقة”.
وأكد أحمد عطاف أن هذا الرصيد التاريخي المشترك يستحق من الطرفين اليوم كل الامتنان والتثمين، قائلا: “نحن نمضي قدما في استكشاف فرص التعاون والشراكة بين بلدينا الصديقين في مختلف المجالات ذات النفع المتقاسم والأكيد. وقد استعرضت اليوم رفقة أخي معالي الوزير الآفاق الواعدة للتعاون الثنائي في العديد من المجالات الحيوية، على غرار الطاقة، والمناجم، والصناعة، والصيدلة، والفلاحة، إلى جانب المؤسسات الناشئة”.
وأكد أحمد عطاف تطلّع الجزائر لمواصلة وتكثيف العمل مع البوسنة والهرسك من أجل تحويل هذه الآفاق الواعدة إلى مشاريع عملية تعود بالنفع على البلدين الصديقين وتسهم في الارتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى المراتب التي تليق بثراء مخزونها وصلابة مقوماتها، معتبرا أن المسؤولية التي تقع على حكومتي البلدين تتمثل أساسا في تهيئة الأرضية القانونية والتنظيمية الضرورية لنمو التعاون الثنائي، وذلك عبر توجيه جهودهما وتركيزهما على ثلاث مستويات رئيسية، أولها المستوى الدبلوماسي والمؤسساتي، حيث تتطلع الجزائر لاستقبال سفارة البوسنة والهرسك في الجزائر، بعد أن قامت بفتح سفارة لها في سراييفو سنة 2022.
كما أكد عطاف على الحاجة الملحّة لتأسيس لجنة حكومية مشتركة تُعنى بتنظيم علاقات التعاون بين البلدين وتحديد أولويات انتشارها، من جهة، واستحداث مجلس أعمال مشترك يسهر على تأطير التفاعل بين المتعاملين الاقتصادين في البلدين، من جهة أخرى، وكذا تفعيل آلية المشاورات السياسية بينهما، معتبرا إياها ضرورة الساعة في ظل مناخ دولي شديد الاضطراب والتقلب.
وحسب عطاف، يتمثل المستوى الثاني في الشق القانوني في العمل على إثراء الإطار المنظِّم للعلاقات الثنائية، وذلك عبر تسريع المفاوضات حول الاتفاقيات قيد الدراسة، واقتراح نصوص قانونية جديدة في المجالات التي تحظى باهتمام الطرفين في المرحلة الراهنة. وأكد على أهمية الاتفاق الذي وقّعت عليه الجزائر والبوسنة والهرسك اليوم، وهو الاتفاق الذي يهدف لتعزيز التعاون في مجال التكوين الدبلوماسي.
وأوضح عطاف أن المستوى الثالث والأخير الذي يجب أن ترتكز عليه جهود الطرفين هو المستوى الإنساني، الذي يستحق منهما كل الاهتمام والعناية، بهدف تثمين ما يجمعهما من روابط تاريخية وثقافية، وكذا تعزيز التعاون البيني في المجالات التي من شأنها تقوية التقارب بين الشعبين الصديقين، على غرار التعليم العالي، والسياحة، والإعلام، والأرشيف، إلى جانب برامج التوأمة بين الجماعات المحلية في كلا البلدين.
وعلى صعيد العمل الدولي متعدد الأطراف، أعرب عطاف للوزير علم الدين كوناكوفيتش عن ارتياحه لمستوى التنسيق البيني والدعم المتبادل بين البلدين في مختلف فضاءات انتمائهما الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة بمختلف أجهزتها وهياكلها الرئيسية.
وقد جرى بمناسبة اجتماع اليوم، تبادل وجهات النظر بين الجزائر والبوسنة والهرسك حول أهم القضايا التي تستأثر باهتمامهما وباهتمام المجموعة الدولية، على الصعيدين الإقليمي والدولي، سواء تعلق الأمر بمستجدات الأزمات المستعرة في الشرق الأوسط والخليج، أو بتطورات الحرب في أوكرانيا. وقال عطاف في السياق إن “الجزائر والبوسنة والهرسك تنتميان إلى فضاءين جيوسياسيين، البلقان والساحل، وهما الفضاءان اللذان دفعا عبر التاريخ ضريبة باهظة للانقسامات والانشقاقات، وكذا للاأمن واللااستقرار فيهما”، وأضاف: “من هذا المنظور، يسعى بلدانا بكل ما أوتيا من إمكانيات ومقدرات للإسهام في استتباب الأمن والاستقرار في فضاءي انتمائهما”، مشيرا إلى أن الجزائر ومن هذا المنظور أيضا جددت التأكيد على موقفها الداعم لاستقرار البوسنة والهرسك، والمؤيد لوحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها، وهو الموقف الذي ما فتئت تدافع عنه الجزائر خلال عضويتها الأخيرة بمجلس الأمن الأممي، بكل قناعة وثبات.




