أفريقيا

التقارير الدولية تفضح “سياحة الاحتلال” في الداخلة وتكشف استخدامها كواجهة لتلميع الاستعمار في الصحراء الغربية

لم تعد محاولات الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية تمرّ كما كانت في السابق، فمع تصاعد اهتمام وسائل الإعلام الدولية بملف الداخلة المحتلة، بدأت الصورة التي حاولت الرباط تسويقها لسنوات تتهاوى أمام سيل من التقارير والتحقيقات التي كشفت ما يجري خلف الواجهات السياحية اللامعة والشعارات الدعائية المزيّفة.

الداخلة، التي يحاول الاحتلال تقديمها كـ “جنة سياحية” على ضفاف الأطلسي، تحولت في أعين كثير من المراقبين الدوليين إلى نموذج صارخ لما بات يُعرف بـ “سياحة الاحتلال”، حيث تُستخدم الفنادق الفاخرة والرحلات الجوية والمنتجعات البحرية كأدوات سياسية لتجميل واقع استعماري ما يزال خاضعا لقرارات الشرعية الدولية.

التقارير الدولية الأخيرة لم تتعامل مع ما يجري باعتباره مجرد استثمار سياحي عادي، بل وصفته كجزء من مخطط أوسع يهدف إلى فرض الأمر الواقع، وإيهام الرأي العام الدولي بأن الإقليم يعيش حالة “استقرار وسيادة”، بينما تصنفه الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والخاضعة لمسار تصفية الاستعمار.

الأخطر في هذه التحقيقات أنها لم تكتف بفضح الدعاية المغربية، بل سلطت الضوء على تورط شركات أجنبية وخطوط طيران عالمية في مشاريع فوق أرض متنازع عليها، في خطوة اعتبرها متابعون تجاوزا خطيرا للقانون الدولي، ومشاركة مباشرة في استغلال موارد وثروات شعب لم يُمنح بعد حقه في تقرير المصير. فالاحتلال، الذي فشل لعقود في انتزاع اعتراف قانوني بسيادته على الصحراء الغربية، يبدو اليوم وكأنه يحاول تعويض ذلك عبر صناعة “واقع سياحي” بديل. منتجعات، مهرجانات، صور شواطئ، ورياضات مائية.. كلها تُستخدم كأدوات دعائية لتغطية حقيقة الوجود العسكري والقبضة الأمنية التي تخنق الإقليم.

لكن التقارير الدولية الأخيرة قلبت الطاولة على هذا المخطط، فبدلا من أن تتحول الداخلة إلى واجهة “نجاح سياحي”، أصبحت مثالا يُطرح في الإعلام العالمي حول كيفية توظيف السياحة لتبييض الاحتلال وتجاوز قرارات المحاكم الدولية، بل إن بعض التحقيقات ذهبت أبعد من ذلك، حين تحدثت عن استخدام السياح كدروع سياسية وبشرية لإعطاء انطباع زائف بالحياة الطبيعية داخل إقليم ما يزال يعيش على وقع النزاع والتوتر.

وما زاد من حرج الرباط أن هذه التغطيات لم تصدر عن وسائل إعلام هامشية، بل عن منصات دولية كبرى باتت تتعامل مع الملف بمنظور قانوني وحقوقي، لا بمنطق الحملات الترويجية التي أنفقت عليها السلطات المغربية مبالغ ضخمة طوال السنوات الماضية، كما أشارت تقارير عديدة إلى أن السياح أنفسهم بدأوا يدركون التعقيد الحقيقي للوضع، خاصة مع تنامي الحديث عن استمرار النزاع، وعودة التوترات العسكرية والانتقادات الحقوقية المتصاعدة بشأن استغلال الموارد الطبيعية في الإقليم دون موافقة الشعب الصحراوي.

هكذا تحوّلت الداخلة من ورقة دعائية أراد الاحتلال عبرها إظهار “النجاح والاستقرار”، إلى ملف يثير أسئلة محرجة حول شرعية الاستثمارات والسياحة فوق أرض ما تزال مدرجة في أجندة تصفية الاستعمار الأممية. وفي النهاية، تبدو الرسالة التي حملتها هذه التقارير الدولية واضحة وصادمة في آن واحد: يمكن بناء الفنادق، وفتح الخطوط الجوية، وتنظيم المهرجانات، لكن لا شيء من ذلك قادر على تغيير حقيقة سياسية وقانونية راسخة.. الصحراء الغربية تبقى قضية تصفية استعمار، والشرعية الدولية لا تُمحى بالإعلانات السياحية ولا بصور المنتجعات المطلة على البحر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى