
لم يعد الاختراق الصهيوني الذي يسيطر على مقاليد الحكم في المغرب محصورا في العلاقات الدبلوماسية أو مكاتب الاتصال أو الاتفاقات الاقتصادية، بل بدأت أسئلة أكثر خطورة تطرح حول امتداده إلى المؤسسات التي يفترض أن تضطلع بتنظيم قطاع الصحافة وحماية استقلال المهنة.
وفي أحدث هذه المحطات، انتُخب الصحافي والناشر المغربي المختار الغزيوي، مدير نشر جريدة «الأحداث المغربية»، رئيسا للمجلس الوطني للصحافة، بعدما حصل على 11 صوتا مقابل 3 أصوات لمنافسه عبد الله البقالي. ويضم المجلس في تركيبته المهنية 7 ممثلين عن الصحافيين المهنيين و7 ممثلين عن الناشرين.
وقد أثار انتخاب الغزيوي، صاحب شعار “كلنا إسرائيليون” جدلا واسعا بالنظر إلى مواقفه المعروفة بشأن التطبيع المخزني مع الكيان المحتل، وهو ما جعل صعوده إلى رأس مؤسسة مهنية معنية بتنظيم قطاع الصحافة والنشر محط تساؤلات وتجاذبات سياسية وإعلامية تتجاوز مجرد نتائج عملية انتخابية عادية داخل المجلس، نظرا لمواقفه الموالية للصهيونية.
فالصحافة ليست مجرد مهنة، والمجلس الوطني للصحافة ليس مجرد هيئة بروتوكولية، بل مؤسسة ترتبط بالتنظيم الذاتي للمهنة وأخلاقياتها، وبعدد من الملفات التي تمس صميم المشهد الإعلامي المغربي. ومن هنا، فإن وصول شخصية مرتبطة بخطاب مؤيد للتطبيع وللصهيونية إلى رئاسة هذه المؤسسة يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل استقلالية الصحافة واتجاهاتها.
إن المسألة لا تتعلق بشخص المختار الغزيوي وحده، وإنما بالسياق الذي جاء فيه انتخابه وبالدلالات التي يحملها بالنسبة إلى المشهد الإعلامي المغربي. فحين تتقدم شخصيات مرتبطة بخطاب التطبيع إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسات المهنية، يصبح من المشروع التساؤل حول ما إذا كان الأمر مجرد تطور مهني عادي، أم هو اختراق أوسع لمفاصل المجال الإعلامي بما ينسجم مع التحولات السياسية التي عرفها المغرب.
فإذا كان التطبيع قد بدأ بمكاتب الاتصال، ثم انتقل إلى التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري، وصولا إلى رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات، فإن انتقال النقاش اليوم إلى المؤسسات الإعلامية يطرح سؤالا أكبر: هل أصبح الإعلام نفسه جزءا من عملية تثبيت هذا المسار وتطبيع حضوره داخل المجتمع المغربي؟
وهنا تكمن خطورة المسألة، لأن السيطرة على الإعلام لا تبدأ بالضرورة بإغلاق الصحف أو منع الأصوات المخالفة، وإنما قد تبدأ بإعادة تشكيل مراكز القرار داخل المؤسسات التي تنظم المهنة، وبصعود شخصيات تحمل رؤى ومواقف معينة إلى مواقع تستطيع التأثير في المشهد الإعلامي المغربي.
فمن يملك مفاتيح المؤسسات الإعلامية يملك جزءا من القدرة على تشكيل الرواية، ومن يحدد قواعد العمل الصحفي يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في رسم الحدود التي يتحرك داخلها الإعلام.
إن الأمر، بالنسبة إلى منتقدي هذا المسار، يتجاوز انتخاب شخص لرئاسة هيئة مهنية، ليصبح جزءا من مسار أوسع يرون أنه يقود شيئا فشيئا إلى صهينة ما تبقى من المؤسسات الوطنية المغربية.
فالتطبيع لا يتعلق فقط بالسفارات والاتفاقات، وإنما أيضا بالرواية التي تُقدم للمجتمع، وبمن يملك المنابر، وبمن يحدد طبيعة الخطاب المقبول.
وهكذا يتم التعبيد شيئا فشيئا للسيطرة على مقاليد الحكم في الدولة المغربية فإلى أين ستنتهي بنا الأمور وعلى من سيكون الدور في المرة القامة




