تعالت التحذيرات في أوروبا من تداعيات ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض منسوب الأنهار التي من شأنها زيادة التحديات التي تواجه اقتصادات القارة.
وحذّرت رابطة الملاحة الداخلية في ألمانيا، اليوم الاثنين، من أن أجزاء من نهر الراين قد تصبح قريبا غير صالحة للملاحة، مع استمرار تراجع منسوب المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة صيفا وشح الأمطار. ويسجل منسوب المياه مستويات منخفضة قياسية منذ نهاية يوليو، بينما تواجه ألمانيا، على غرار مناطق أخرى في أوروبا، سلسلة من موجات الحر. وتمكنت سفن الشحن من مواصلة نقل البضائع عبر النهر الذي يمر عبر القلب الصناعي لأكبر اقتصاد في أوروبا، لكن بحمولات أقل وتكاليف أعلى.
وحذّرت رابطة الملاحة الداخلية الألمانية من أن منسوب المياه عند بلدة كاوب التي تُستخدم نقطة مرجعية للسفن المبحرة في نهر الراين، يُتوقع أن ينخفض أكثر خلال الأسبوع الجاري. وقال المدير العام للرابطة ينس شفانن لصحيفة “راينيشه بوست”، “مع انخفاض منسوب المياه إلى هذا الحد، لن تتمكن سفن الشحن التجارية من نقل البضائع في المنطقة”. وأضاف “هذا يعني، من حيث المبدأ، أن الملاحة لن تعود ممكنة على امتداد نهر الراين بأكمله، وبالتالي سينقسم فعليا إلى جزأين”. وأوضح أن حركة الملاحة ستستمر في هولندا، وفي ألمانيا حتى منطقة كولونيا، وكذلك جنوبا على عدد من روافد النهر. لكن منسوب المياه على أجزاء واسعة من نهر الراين في ألمانيا سيكون منخفضا إلى درجة تحول دون مرور السفن.
وقالت متحدثة باسم الإدارة الاتحادية للممرات المائية والملاحة لوكالة فرانس برس إن “من المتوقع أن يواصل منسوب المياه انخفاضه بشكل طفيف خلال الأيام المقبلة”. وأضافت أنه لا يوجد حظر على حركة الملاحة، وأن القرار يعود إلى قادة السفن في تحديد كيفية تعديل حمولاتهم بما يتناسب مع انخفاض منسوب المياه.
ردا على سؤال بشأن تحذير رابطة الملاحة الداخلية، قال متحدث باسم وزارة النقل إن الحكومة “تراقب من كثب ما إذا كان الوضع سيتطور على النحو الوارد في هذا السيناريو”. وينبع نهر الراين من جبال الألب السويسرية، ويمر عبر عدد من الدول أو بمحاذاة حدودها، قبل أن يصب في بحر الشمال في هولندا.
ودفعت مشكلات انخفاض منسوب مياه الراين بعض الشركات الألمانية، إلى استخدام سفن ذات غاطس ضحل لمواصلة نقل المواد الخام والمنتجات النهائية. ومن شأن توقف الملاحة في أجزاء من هذا الشريان الاقتصادي الحيوي أن يشكل ضربة جديدة للاقتصاد الألماني الذي يواجه بالفعل تحديات عدة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة على خلفية الحرب في الشرق الأوسط والرسوم الجمركية الأميركية. وتدرس حكومة المستشار، فريدريش ميرتس، تقديم مساعدات للشركات التي تنقل بضائعها عبر النهر، ومنها شركات قطاعي الصناعات الكيميائية والنفط، كما اتفقت مع بعض الولايات على رفع الحظر موقتا عن حركة الشاحنات أيام الأحد والعطل الرسمية.
تراجع منسوب مياه الأنهار إلى أدنى المستويات
وسجّل نهر فيستولا، أطول أنهار بولندا، أدنى مستوى لمياهه على الإطلاق الاثنين، وفق ما أعلن المعهد الوطني للأرصاد الجوية والمياه. وقال خبير الأرصاد المائية في المعهد، داريوس ويتكوفسكي، لوكالة فرانس برس “نشهد حاليا مستوى للمياه يبلغ 102 سنتمرا”، موضحا أنّ هذا المستوى القياسي سُجّل الجمعة.
ولفت إلى أنّ الوضع الهيدرولوجي في بولندا يُعدّ “الأصعب منذ العام 2015” على الصعيد المحلي. وأضاف “نشهد انخفاضا لمستوى المياه في 66% من أنهارنا وفي محطاتنا الهيدرولوجية”. ورأى أنّ الوضع قد يصبح أكثر خطورة في نهاية أغسطس وبداية سبتمبر، موضحا أنّ التوقعات تشير إلى أن “الأيام والأسابيع المقبلة ستشهد درجات حرارة أعلى من المعدل الاعتيادي، وللأسف، كميات أمطار أقل من العادة، ما قد يُفاقم هذا الجفاف”.
خسائر أكبر …
ووصلت مياه نهر بو والراين والدانوب وهو ثاني أطول أنهار أوروبا بطول 2850 كيلومترا يجمع على طرفيه 10 دول أوروبية و4 عواصم إلى أدنى مستوياتها التاريخية. وبحسب نظام معلومات انخفاض منسوب المياه الرسمي (Niwis) فإن 2.4 بالمائة فقط من محطات القياس على نهر الدانوب لم تسجّل انخفاضًا حادًا في منسوب المياه.
وسجّل مستوى نهر الراين بمدينة كاوب في غرب ألمانيا انخفاضًا قياسيًا إلى 24 سنتيمترًا وسط توقعات بأن ينحدر إلى 17 سنتيمترًا خلال الأيام القادمة. ومن شأن الانخفاض الحاد في منسوب المياه أن يضر بالطبيعة والاقتصاد؛ ويهدد أيضًا المياه الجوفية ومياه الشرب والنظم البيئية المهمة على ضفاف الأنهار.
وتهدّد موجات الحر الشديد والجفاف التي تضرب أنحاء واسعة من أوروبا هذا الصيف اقتصادات الاتحاد بخسائر تصل إلى 180 مليار يورو (نحو 208 مليارات دولار)، وتقليص الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1% خلال العام الجاري، في وقت لا تتجاوز فيه توقعات النمو للتكتل 1.1%. ووفقا لتقرير أصدره بنك “تريودوس” الهولندي، المتخصص في تمويل المشروعات المستدامة بيئياً واجتماعياً، فإن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يبدد جزءاً كبيراً من النمو الاقتصادي المتوقع للاتحاد الأوروبي خلال 2026، مع امتداد تأثيراته إلى إنتاجية العمالة والزراعة والطاقة والنقل وأسعار الغذاء والكهرباء.
ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو اقتصاد منطقة اليورو بنحو 0.9% خلال العام، في ظل معدلات نمو محدودة تواجه ضغوطاً إضافية بسبب الظروف المناخية القاسية.




