
دخلت أزمة سبتة التي شهدتها نهاية جويلية 2026 مرحلة جديدة، بعدما تقدمت منظمة إيوستيتيا أوروبا (Iustitia Europa) الإسبانية بشكوى أمام المحكمة الوطنية الإسبانية، طالبت فيها بالتحقيق في احتمال ارتكاب جرائم مرتبطة بالتدفق الجماعي للمهاجرين نحو المدينة، معتبرة أن ما جرى قد يرقى إلى “حرب هجينة” تقوم على استخدام المدنيين وسيلة للضغط على إسبانيا.
الشكوى وُجهت إلى القاضية ماريا تاردون، التي قررت فتح تحقيق أولي في وقائع “الدخول الجماعي غير النظامي” إلى سبتة، مع تكليف الوحدة المركزية لمكافحة شبكات الهجرة غير النظامية وتزوير الوثائق التابعة للشرطة الوطنية بإعداد تقرير مفصل حول عمليات العبور، ولا سيما تلك التي وقعت يومي 30 و31 جويلية.
وترى المنظمة أن طبيعة العملية تستدعي التحقيق في احتمال ارتكاب جرائم تمس أمن الدولة، والانتماء إلى تنظيم إجرامي، وتسهيل الهجرة غير النظامية، والإخلال بواجب ملاحقة الجرائم. كما طالبت بمساءلة كل من تثبت صلته بالأحداث، سواء تعلق الأمر بأفراد أو مسؤولين أو جهات أجنبية أو شبكات إجرامية.
وتتمحور الشكوى بشكل خاص حول ما وصفته المنظمة بـ”استخدام المدنيين” ضمن عملية منسقة، معتبرة أن الحشد الجماعي للمهاجرين واستغلال وضعهم الإنساني ربما كان جزءا من خطة أوسع للضغط على إسبانيا. ومن هنا جاء توصيف العملية المحتمل باعتبارها “حرباً هجينة”، تجمع بين أدوات غير عسكرية ووسائل ضغط لتحقيق أهداف سياسية.
“الحرب الهجينة” وأثر الدليل الرقمي
استندت المنظمة في طرحها إلى ما قالت إنه انتشار دعوات عبر منصات رقمية تضمنت معلومات دقيقة حول توقيت العبور ونقاط الوصول. وترى أن هذه المعطيات تستوجب التحقق من وجود تنسيق مسبق، ومن قدرة جهة أو تنظيم معين على حشد أعداد كبيرة من الأشخاص في وقت متزامن.
وتزداد حساسية هذه الفرضية، وفق الشكوى، بسبب تزامن الأزمة مع توتر دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا بشأن عدد من الملفات، من بينها الوضع القانوني لمدينتي سبتة ومليلية الإسبانيتين.
وشهدت الأزمة تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين بشكل غير قانوني من المغرب نحو سبتة، بينما حاولت أعداد أقل الوصول إلى مليلية. ووفق تقارير إسبانية، أسفرت الأحداث عن مقتل ما لا يقل عن 88 شخصاً في سبتة و11 في مليلية و11 في الفنيدق.
كما تحدثت السلطات الإسبانية عن انتشال عشرات الجثث، بعد محاولة نحو 60 ألف شخص عبور الحدود نحو سبتة سباحة وسيرا على الأقدام، في واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي التي تنطلق من المغرب منذ سنوات، الأمر الذي فتح نقاشا واسعا حول ظروف العملية وخلفياتها.
في المقابل، تطالب منظمات حقوقية وسياسية إسبانية بتحقيق شامل، معتبرة أن حجم التدفق وطبيعة التنظيم المفترض يستدعيان دراسة جميع الفرضيات، بما فيها احتمال وجود تنسيق يتجاوز شبكات التهريب التقليدية.
وتمنح الشكوى التي تقدمت بها «إيوستيتيا أوروبا» للقضية بعدا قانونيا وسياسيا بالغ الحساسية، لأنها تطالب بالتحقيق في أفعال قد تندرج، في حال ثبوتها، ضمن نطاق القانون الجنائي الإسباني والقانون الدولي، خصوصا إذا كشفت التحقيقات عن تورط جهات رسمية أو شبه رسمية في تنظيم العملية.
وبذلك، تنتقل أزمة سبتة من مجرد أزمة هجرة وحدود إلى مسار قضائي قد يكشف طبيعة العملية والجهات التي تقف خلفها. وإذا أثبتت التحقيقات وجود تنسيق منظم لاستغلال تدفق المهاجرين بهدف ممارسة الضغط المغربي على إسبانيا، فإن توصيف “الحرب الهجينة” لن يبقى مجرد اتهام سياسي، بل سيصبح محورا رئيسيا في واحدة من أكثر القضايا حساسية بين مدريد والرباط.




