
تواجه فرنسا واحدة من أصعب موجات الضغط الطاقوي في السنوات الأخيرة، مع الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات وتزايد المخاوف بشأن الغاز، في وقت تسعى السلطات الفرنسية إلى تأمين إمدادات إضافية من النفط والغاز والبحث عن مسارات بديلة لتقليص تداعيات الاضطرابات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، رغم أن باريس كان بإمكانها الاستفادة من الجزائر، بحكم قربها الجغرافي وقدراتها الإنتاجية وشبكاتها المباشرة مع أوروبا.
ماكرون أقر خلال اجتماع عقده في قصر “الإليزيه”، قبل أيام بأن الحرب في الشرق الأوسط خلفت “عواقب مباشرة” على الفرنسيين، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة، مشيرا إلى أن أسعار الوقود بلغت مستويات تاريخية وأن القلق يتزايد بشأن الوضع الطاقوي، مؤكدا أن باريس تعمل على تجاوز هذا الوضع.
غير أن لجوء باريس إلى الجزائر لا يبدو، في الوقت الراهن، ضمن خيارات “ماكرون”، مع حالة التوتر التي تشهدها العلاقات بين البلدين، في ظل السياسة العدائية التي تنتهجها الحكومة الفرنسية، التي تشن في كل مرة هجمات غير مبررة على الجزائر عبر أذرعها الإعلامية.
وأصبحت الحكومة الفرنسية وفقا لما أكدته رئيسة جمعية فرنسا-الجزائر، سيغولين روايال، في مقابلة حصرية لبرنامج C Show على قناة “الجزائر الدولية”، تعتبر أن “معاداة الجزائر” أو “ألجيرو- فوبيا” إستراتيجية انتخابية حقيقية لجزء من الطبقة السياسية الفرنسية من “النيوكولونياليين” في إطار الحملة الانتخابية للرئاسيات المقبلة، مشيرة إلى أن فرنسا هي البلد الوحيد في أوروبا الذي لديه علاقات سيئة مع الجزائر”.
وسبق أن تطرقت روايال أيضا، إلى ما تقوم به إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، من إبرام عقود ضخمة في مجال الطاقة، في حين يتراجع النفوذ الاقتصادي الفرنسي في الجزائر كل يوم.
والأكيد أن الخاسر الوحيد في هذا الوضع هو الجانب الفرنسي، حيث تشير بيانات رسمية فرنسية، إلى أن 11% من محطات الوقود واجهت صعوبات في التزويد بالبنزين أو الديزل حتى 18 سبتمبر، مع تسجيل نسب أعلى في بعض المناطق، فيما واصلت الأسعار ارتفاعها يوم السبت 19 سبتمبر، إذ بلغ متوسط سعر الديزل نحو 2.405 يورو للتر، مقابل 2.175 يورو للتر البنزين SP95-E10 و2.276 يورو للتر البنزين SP98.
ويجد الاقتصاد الفرنسي نفسه اليوم عالقا في حالة من الركود الهيكلي، تغذيه أساسا المديونية العمومية الضخمة والعجز القياسي في الميزانية، ما أدى إلى فقدان البلاد لمقومات الإنتاجية والاستثمار والابتكار والتنافسية الصناعية دوليا، وما يترتب عنه من تداعيات على الصعيد الاجتماعي، الأمر الذي ينذر بأزمة متعددة الأبعاد تتسم بتوترات اجتماعية واضطرابات سياسية، حسب ما يؤكده خبراء.
فعلى صعيد المالية العمومية، يبقى العجز نقطة الضعف الرئيسية، فوفقا لبيانات حديثة، بلغ العجز العمومي 5.1 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2025، أي أعلى بكثير من سقف 3 بالمائة الذي تحدده القواعد الأوروبية، وفي الوقت نفسه، تواصل النفقات العمومية الضغط على ميزانية البلاد، حيث بلغت 57.2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2025، مقابل 52.1 بالمائة بالنسبة للإيرادات.
وتكشف البيانات الحديثة عن استمرار تفاقم مستوى مديونية البلاد، الذي يتوقع أن يبلغ 119.3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2026 و121.7 بالمائة في 2027.
وتعدّ مستويات المديونية هذه الأعلى منذ 1995، وفقا لبيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، ففي 2025، مثل الدين 115.6 بالمائة من الثروة الوطنية المنتجة.
الجزائر تعزز حضورها في سوق الغاز الأوروبية وسط اضطرابات الإمدادات
وفي خضم هذه الأزمة، تبرز الجزائر كأحد أهم موردي الغاز إلى السوق الأوروبية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي على الضفة الجنوبية للمتوسط ومن شبكة أنابيب تربطها مباشرة بعدد من الدول، مستفيدة من استقرارها الأمني وقدرتها على ضمان تدفق صادراتها من المحروقات الى الضفة الأخرى.
وتكتسب هذه الخصائص أهمية مضاعفة في الظرف الحالي، بعدما أظهرت أزمة الشرق الأوسط أن أمن الطاقة الأوروبي لا يرتبط فقط بحجم الإمدادات، وإنما أيضا بمسارات وصولها إلى الأسواق، خاصة في ظل المخاطر التي تفرضها الممرات البحرية على تدفقات الغاز والنفط.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ارتفعت إمدادات الجزائر إلى الاتحاد الأوروبي من الغاز، عبر الأنابيب والغاز المسال، بنحو 1.1 مليار متر مكعب لتحتل المركز الرابع بعد النرويج، الولايات المتحدة وروسيا، بحسب بيانات السوق التي رصدتها وحدة أبحاث الطاقة، لتكون الجزائر بذلك من بين الموردين الذين عززوا حضورهم في السوق الأوروبية خلال هذه الفترة.
وتزامنت الزيادة الجزائرية مع تراجع واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال القطري بنحو 5.1 مليار متر مكعب على أساس سنوي، في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الإمدادات القادمة من منطقة الخليج نتيجة الحرب وإغلاق مضيق هرمز.
وتعد الجزائر من بين أهم الموردين الذين ساهموا في تعويض إمدادات الغاز المسال القطري التي فقدها الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، إلى جانب موردين آخرين للغاز المسال وإمدادات عبر خطوط الأنابيب.




