ما جدوى رئاسة ملك المغرب للجنة القدس في ظل الانتهاكات المتصاعدة بالمدينة المحتلة؟

في الوقت الذي تتعرض فيه مدينة القدس المحتلة لسلسلة متواصلة من الانتهاكات، وتتصاعد فيه اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك بوتيرة غير مسبوقة، يطرح كثيرون سؤالا مشروعا: ما جدوى استمرار ملك المغرب في رئاسة لجنة القدس إذا كانت هذه المكانة الرمزية لا تنعكس في مواقف سياسية واضحة وحازمة تجاه ما يجري في المدينة المقدسة؟
فخلال الأيام الأولى من شهر يونيو الجاري، اقتحم أكثر من 1552 مستوطنا باحات المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع جديد داخل الحرم القدسي الشريف وتكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد. كما تزامنت هذه الاقتحامات مع تسهيلات غير مسبوقة منحتها سلطات الاحتلال للمستوطنين عبر تمديد ساعات الاقتحام وتوسيع نطاقها.
أمام هذا التصعيد الخطير، كان المنتظر من الدولة التي يتولى ملكها رئاسة لجنة القدس أن تكون في مقدمة المدافعين عن المدينة المحتلة، وأن تبادر إلى حشد موقف دولي وإسلامي يوازي حجم الاعتداءات المتواصلة. غير أن الواقع يعكس صورة مختلفة، عنوانها الغياب والصمت والتحفظ.
وقد تجلى هذا الأمر بشكل أوضح مع غياب المغرب عن قائمة الدول العربية والإسلامية التي وقعت بيان الإدانة الخاص بافتتاح ما وصف بـ”سفارة” لإقليم أرض الصومال في القدس. فالبيان الذي وقعت عليه دول عربية وإسلامية عديدة، بينها الجزائر والسعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وفلسطين، اعتبر الخطوة انتهاكا للقانون الدولي ومسا مباشرا بالوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة.
لكن ما أثار الانتباه أكثر من مضمون البيان نفسه هو غياب توقيع المغرب عليه. فكيف يمكن تفسير هذا الغياب في قضية ترتبط مباشرة بالقدس، وهي المدينة التي يفترض أن تشكل محوراً أساسياً في عمل لجنة القدس ورئاستها؟
منذ توقيع اتفاقات أبراهام سنة 2020، بدا واضحا أن السياسة الخارجية المغربية دخلت مرحلة جديدة تقوم على توسيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وتطويرها على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. غير أن هذا التحول الاستراتيجي يطرح إشكالا جوهريا يتعلق بقدرة الرباط على التوفيق بين مسار التطبيع من جهة، والدور الذي تدّعيه في الدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية من جهة أخرى.
فالقدس ليست مجرد عنوان بروتوكولي أو ورقة دبلوماسية تستخدم عند الحاجة، بل هي قضية تتطلب مواقف واضحة ومبادرات ملموسة وحضورا سياسيا دائما. أما الاكتفاء برئاسة لجنة تحمل اسم المدينة، في وقت تتواصل فيه الانتهاكات وتتراجع فيه المواقف العملية، فإنه يحول هذا الدور إلى مجرد لقب رمزي فاقد للتأثير.
إن الانتقادات الموجهة إلى ملك المغرب في هذا السياق لا تنبع فقط من غياب التوقيع على بيان دبلوماسي، بل من تراكم مؤشرات عديدة توحي بأن ملف القدس لم يعد يحتل المكانة التي يفترض أن يحتلها في أولويات السياسة المغربية. وهذا ما يفسر اتساع دائرة التساؤلات داخل الرأي العام العربي والإسلامي حول حقيقة الدور الذي تؤديه الرباط اليوم في الدفاع عن المدينة المقدسة.
وفي النهاية، فإن رئاسة لجنة القدس ليست امتيازا شرفيا، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية وتاريخية. وكلما اتسعت الفجوة بين هذه المسؤولية وبين المواقف الفعلية على الأرض، ازدادت مشروعية السؤال: هل ما تزال لجنة القدس تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله، أم أنها تحولت إلى إطار رمزي لا يواكب حجم التحديات التي تواجهها المدينة المحتلة؟




