تتوالى تداعيات يوم “الغضب” في فرنسا، حيث تحولت الاحتجاجات على غلاء المعيشة إلى أزمة سياسية تزيد الوضع تعقيداً على حكومة لم تجد بعد مخرجاً للأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة منذ سنوات.
وأبانَت الاحتجاجات العنيفة التي هزت فرنسا، أول أمس السبت، عن مواطن عجز جديدة في التعاطي مع مطالب شعبية تكشف عن مستوى الإحباط السائد داخلياً. وفي السياق، أقرّ وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، اليوم الاثنين، بأن الشرطة “فقدت السيطرة” في بعض المدن.
وأشار نونيز إلى وجود “ثغرات في استباق الأحداث” خلال الاستعدادات، لافتاً إلى أن عدد العناصر الأمنيين الذين نُشروا خلال التظاهرات لم يكن كافياً لمواجهة مرتكبي أعمال التخريب والنهب الذين توافدوا بأعداد كبيرة على هامش الاحتجاجات. وذكر أن عدد عناصر الشرطة والدرك الذين انتشروا السبت في جميع أنحاء البلاد بلغ 60 ألفاً.
إخفاقات في استباق الأحداث تحول الاحتجاجات إلى أزمة سياسية
ودفع الانفلات الأمني الكبير في يوم “الغضب” بوزير الداخلية الفرنسي إلى تقديم استقالته غداة مطالبة عدد من ممثلي المعارضة، لا سيما من اليمين المتطرف، بتنحيه. ورفض الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون -الذي أقر بوجود “إخفاقات في الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية”- استقالة وزير الداخلية “نظراً للحاجة الملحة إلى استمرارية قيادة أجهزة إنفاذ القانون وقوات الأمن في هذه المرحلة الحرجة”، وطلب “وضع أساليب عمل جديدة لقوات الأمن الداخلي على الأرض في أسرع وقت ممكن لمواجهة المخربين، وذلك بهدف وضع حد لظواهر إقامة المتاريس وأعمال النهب” حسب بيان الرئاسة الفرنسية. وكان ماكرون قد توعد في خطابه أمس بمحاسبة “من دمروا ومن نهبوا” خلال الاحتجاجات.
وقال نونيز إنه قدم استقالته “لأنه يتحمل مسؤولية كل ما حدث”، لكنه وجه بالمقابل انتقادات حادة لبعض المسؤولين السياسيين خاصة من اليسار الذين “لم يدينوا بالحزم المطلوب أولئك الذين اعتدوا على قوات الأمن بطريقة عنيفة للغاية” حسب تعبيره.
وأقر وزير العدل، جيرالد دارمانان، بأن السلطات “أخفقت بلا شك” في مواجهة أعمال العنف، وأشار إلى وجود “خلل في المعلومات الاستخباراتية”. ولفت دارمانان إلى أن “أجهزة الاستخبارات الفرنسية في قمة أدائها في مجال مكافحة الإرهاب، وتتمتع بقوة في مواجهة الجريمة المنظمة، وتلعب دوراً مهماً ضد التدخلات الأجنبية، لكن من الواضح أنها لا تجيد التعامل بشكل صحيح مع عناصر أقصى اليسار”. وأضاف: “هذه نقطة بالغة الأهمية. ففي السنوات المقبلة، ستكون إحدى التهديدات التي تواجه بلادنا متمثلة في العناصر المتمردة من أقصى اليسار التي ستسعى إلى زعزعة استقرار مؤسساتنا”.
من جانبه، وصف وزير شؤون المدن، فنسان جانبرون، أعمال العنف بأنها “شكل من أشكال التمرد”، مندداً بظاهرة إجرامية “تتغذى على الاتجار بالمخدرات”.
وتشير آخر الأرقام التي قدمها وزير الداخلية الفرنسي إلى توقيف 2750 شخصاً على خلفية أحداث العنف الأخيرة. وفي محاولة منها لاستعادة زمام الأمور، تعقد حكومة سيباستيان لوكورنو اليوم سلسلة اجتماعات طارئة لمواجهة تداعيات يوم الغضب الذي أيقظ فرنسا على مشاهد عنف صادمة اعتبرتها زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان “أزمة عميقة في الثقة والسلطة، تشكل تهديداً للديموقراطية”، بينما اتهم زعيم اليسار جان لوك ميلانشون، الرئيس الفرنسي بتعمد ترك الأمور تتفاقم.
ويعقد رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، صباح الاثنين، اجتماعاً لخلية أزمة وزارية مشتركة ستتناول ثلاثة محاور هي “الاقتصاد والتجارة” و”التأمين” و”المتابعة القضائية”، وفق مكتبه.
كما سيُعقد اجتماع آخر في وزارة الاقتصاد والمالية لتقييم حجم الأضرار المادية، في وقت تعرض نحو 1500 متجر للاستهداف السبت، بحسب اتحاد التجار. ومن جهة أخرى، يتوجه وزير الداخلية إلى مرسيليا (جنوب)، وهي مدينة تضررت بشدة من أعمال العنف، حيث رصدت السلطات ما يصل إلى 30 ألف شخص شاركوا في أعمال النهب السبت.
ولا يبدو أن الأمور ستعود إلى نصابها في القريب العاجل، حيث أعلنت حركة السترات الصفراء عن يوم تعبئة جديد السبت المقبل تنديداً بغلاء المعيشة، بينما أغلق طلاب جامعيون اليوم مدخل متحف اللوفر للتعبير عن تضامنهم مع احتجاجات الثانويات وللتنديد “بالقمع البوليسي”، أما شرطة مرسيليا فقد حظرت التجمعات بين الساعة الثانية عشرة والثامنة مساءً.




