الأخبارالجزائر

الحرية الدينية في الدساتير الجزائرية.. من “بيان 1 نوفمبر” إلى “دستور 2020”

استطاعت الجزائر، عبر محطاتها الدستورية المختلفة، أن تصيغ نموذجا فريدا يوازن بين هويتها الإسلامية الراسخة كدين للدولة، وبين ضمان الحرية الدينية وحماية شعائر غير المسلمين، في مسار بدأ من بيان أول نوفمبر 1954 وصولا إلى التعديل الدستوري لعام 2020.

لقد وضع بيان أول نوفمبر 1954 حجر الأساس لمسار الحرية الدينية في الجزائر، حيث كان المبتغى واضحا: “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية”، لكن البيان لم يتوقف عند الهوية، بل وضع حجر الأساس للمواطنة بنصّه الصريح على “احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عِرقي أو ديني”.

كما أكد ذات البيان على “أن جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويعتبرون بذلك كأجانب تجاه القوانين السارية أو يختارون الجنسية الجزائرية، وفي هذه الحالة يعتبرون كجزائريين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات”.

هذا الوعي المبكر تعمّق في مؤتمر الصومام (1956)، الذي أكد أن الثورة الجزائرية تهدف إلى إقامة جمهورية ديمقراطية واجتماعية، تضمن المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز في العرق أو الدين، وتكفل لجميع الجزائريين حرية الضمير والتمتع بالحريات السياسية والنقابية.

فيما جاءت اتفاقيات إيفيان (1962) لتضع هذه المبادئ في إطار التزامات دولية مشهودة، تضمّنت الاتفاقية بندا جوهريا في “باب الضمانات”، يمنع أي تمييز ضد الأفراد بناء على عقائدهم أو دياناتهم.

ونصّت الاتفاقيات في “تصريح المبادئ المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية” على أن الدولة الجزائرية تضمن لكل المقيمين على أرضها التمتّع بالحريات الأساسية دون أي استثناء، وجاء النص كالتالي: “لا يجوز اتخاذ أي إجراء تمييزي ضد أي شخص بسبب لغته، أو ثقافته، أو ديانته، أو وضعه الشخصي”، كما ضمنت الجزائر في الاتفاقية “حرية ممارسة العبادة” لغير المسلمين.

ومع فجر الاستقلال، أقرّت المادة الرابعة من دستور 1963 بأن “الإسلام دين الدولة”، وضمنت في الوقت ذاته لكل فرد احترام آرائه ومعتقداته وحرية ممارسة الأديان، فيما نصّت المادة العاشرة على مقاومة كل نوع من التمييز وخاصة التمييز العنصري والديني.

واستمرّ هذا النهج في دستور 1976، الذي شدد في مادته الـ 53 على عدم المساس بحرية المعتقد والرأي، وهو ما كرسه أيضا دستور 1989 الذي نصّته مادته الـ 35 على أنه ” لا مساس بحرمة حرية الـمعتقد، وحرمة حرية الرأي” .

وحافظ دستور 1996 على هذه المكتسبات، حيث أكد في مادته الـ 36 على أنه “لا مساس بحرمة حرية المعتقد، وحرمة حرية الرّأي.”

ليمثل دستور 2020 قفزة نوعية في “دسترة” الممارسة الدينية، فإلى جانب التأكيد على أن “الإسلام دين الدولة” في مادته الثانية، شددت المادة الـ 51 على أنه لا مساس بحرمة حرية الرأي، و”أن حرية ممارسة العبادات مضمونة وتمارس في إطار احترام القانون”، فيما “ضمنت الدولة حماية أماكن العبادة من أي تأثير سياسي أو إيديولوجي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى