
في زمن لم تعد فيه المعارك تُخاض على الأرض فقط، بل خلف الشاشات وبالخوارزميات وداخل غرف التحرير غير المرئية، تجد الجزائر نفسها في قلب حرب إعلامية قذرة، تُدار من وراء ستار الفضاء الرقمي، حيث تختلط التكنولوجيا بالدعاية، والمعلومة بالتضليل، والحقيقة بالمصنوع من الأكاذيب الرقمية.. إنها حرب لا تُعلن في بيانات رسمية، لكن آثارها تُرى يوميًا في تدفق محتوى موجّه، ومنشورات متكرّرة، وسرديات تُعاد صياغتها بآلات رقمية لا تتوقف.
طبيعة الحرب الرقمية وآليات التضليل الحديثة
تشير معطيات وتحليلات إعلامية متداولة إلى أن ما يُعرف بـ “الغرف المظلمة الرقمية” لم تعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبحت – وفق المصادر ذاتها – بنية تشغيلية متكاملة تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات التزييف العميق، وإدارة آلاف الحسابات والمنصات التي تعمل بشكل متزامن لإعادة تشكيل الوعي الرقمي. الهدف ليس فقط نشر محتوى، بل خلق واقع بديل يبدو حقيقيًا عبر التكرار، والتضخيم، والتوجيه الخوارزمي للمعلومة.
استهداف الجزائر عبر المنظومات الإعلامية والخوارزمية
وفي قلب هذا المشهد الرقمي المضطرب، تُطرح قضية استهداف الجزائر إعلاميًا كجزء من حرب سرديات أوسع، حيث يتم التلاعب بمحركات البحث، وإغراق الفضاء الرقمي بسيل من المحتويات التي تُنتَج خارج السياق الجزائري، ثم تُعاد صياغتها بطريقة تجعلها تبدو وكأنها “رأي عام عالمي” ضد الجزائر. هذه الآلية لا تعتمد فقط على الإعلام التقليدي، بل على هندسة رقمية معقّدة تجعل من كل تفاعل صغير جزءًا من موجة ضخمة يُعاد تدويرها بلا توقّف.
لكن الأخطر في هذه المعركة الرقمية ليس فقط التضليل التقليدي، بل دخول ما يُعرف اليوم بالتزييف العميق، حيث لم يعد التلاعب مقتصرًا على الصور أو النصوص، بل امتد إلى الفيديوهات والأصوات، بشكل يجعل التمييز بين الحقيقي والمفبرك مهمّة شبه مستحيلة للمستخدم العادي. هذه التقنية، التي حذّرت منها تقارير شركات التكنولوجيا الكبرى، تُستخدم اليوم كأداة أساسية في الحملات الإعلامية القذرة، لأنها قادرة على خلق “واقع كامل” من العدم.
وفي سياق أكثر تعقيدًا، فإن ما يجري لا يتعلق فقط بمحتوى رقمي عشوائي، بل بمنظومة تأثير تعمل عبر التكرار المكثّف، وإعادة النشر المنظم، والتوجيه الخفي عبر الخوارزميات، حيث تُصبح الكلمة المفتاحية، والصورة، والفيديو، أدوات في معركة أوسع، عنوانها السيطرة على الانتباه قبل السيطرة على المعلومة، فهي لم تعد حربا إعلامية تقليدية، بل أصبحت رقمية، شبكية، ومتعددة الطبقات، تعتمد على جيوش من المحتوى الموجّه، وعلى استغلال الذكاء الاصطناعي في إنتاج رسائل سريعة الانتشار وعالية التأثير.
تقاطع الأجندات السياسية والإعلامية في الحملات المعادية
وفق ما يتمّ تداوله، فإن هذه المنظومة لا تعمل في اتجاه واحد، بل تتقاطع فيها مصالح متعددة، إعلامية وسياسية ورقمية، ما يجعل رصدها أكثر تعقيدًا، خاصة عندما يتم تغليف المحتوى الموجّه بلغة صحافية أو تحليلية تبدو في ظاهرها موضوعية، بينما تحمل في عمقها رسائل مشحونة بالتحيز وإعادة تشكيل الواقع.
تكشف تقارير موثوقة أن الجزائر تواجه ترسانة حرب إعلامية قذرة تدار من قبل محور الشر المعادي للجزائر بميزانيات دول ومن عواصم عدة، حيث تلجأ الغرف المظلمة إلى التأثير على محركات البحث والتلاعب بالخوارزميات والكلمات الدلالية من جهة واستحداث آلاف المواقع الإلكترونية بجيوش من الصحافيين، انطلاقا من المغرب وفرنسا ومن دول أخرى متخصصة فقط في متابعة الشأن الجزائري.
معلوم أن عشرات غرف الأخبار على مستوى القنوات التلفزيونية والصحف الدولية في الخليج وأوروبا تخضع لهيمنة اللوبي الإعلامي الفرنسي المتورّط مع نظام المخزن المغربي في قضايا التضليل والابتزاز والرشاوى في الوسط الإعلامي مقابل خدمة الأجندات غير المعلنة ونشر وبث خطاب معادي للجزائر، إلى جانب توظيف مخابرات نظام المخزن المغربي لآلاف الصحافيين من مختلف الجنسيات لشنّ حملات معادية للسياسة الخارجية للجزائر مقابل مبالغ مالية.
إن المتابع لأخبار الجزائر عبر المواقع الإلكترونية يصطدم عند ولوج محرّك البحث “غوغل” على سبيل المثال، بنتائج بحث غير منطقية، وهو ما يكشف عن تفاصيل معركة من نوع آخر تدار في عالم الخوارزميات التي تمنح أفضلية الظهور لمقالات مضللة تحمل طائفة من الأخبار الكاذبة.
نفس السيناريو يتكرر على منصات التواصل الاجتماعي، لكن بشكل آخر، حيث أن الأمر يتعلق بمعركة الخوارزميات التي يحرّكها الذباب الإلكتروني، والتي تضمن من خلال عمل الكتائب الإلكترونية ظهور كل المنشورات المغربية المعادية للجزائر على مختلف المنصات.
هذه الحملات لا تنفصل عن تشابك مصالح فاعلين إعلاميين وسياسيين، حيث تتقاطع الأجندات وتُبنى تحالفات غير معلنة تؤثر في طبيعة الخطاب المتداول حول الجزائر. ومن بين أبرز النماذج التي تعكس هذا التداخل، يبرز المشروع الإعلامي للملياردير الفرنسي Vincent Bolloré، القائم على نظرية الاسترداد Reconquete، وهي عبارة عن مزيج هجين من الكاثوليكية المحافظة والعداء الممنهج لكل ما هو غريب عن فرنسا القديمة، والذي استطاع عبر شبكة واسعة من القنوات والصحف، مثل CNews، أن يفرض حضورا مؤثّرا داخل المشهد الإعلامي الفرنسي.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم كيفية تلاقي بعض الخطابات الإعلامية الصادرة عن هذه المنصات مع توجهات سياسية معينة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالجزائر، فقد تبنّت شخصيات من اليمين المتطرف، على غرارÉric Zemmour وMarine Le Pen، سرديات متشدّدة حوّلت منصات بولوريه إلى مختبرات لنشر الكراهية والعنصرية ضد الجزائر والمهاجرين الجزائرين.
ومن هنا، لا يبدو الربط بين الحملات الإعلامية الأوسع التي تستهدف الجزائر وبين هذا النموذج الإعلامي مجرد استنتاج عابر، بل هو امتداد طبيعي لتقاطع المصالح وتداخل الخطابات مع أجندة نظام المخزن المغربي، لتتحوّل المنصات الإعلامية الخاصة بالملياردير الفرنسي إلى أبواق مخزنية بامتياز، كل غايتها “شيطنة” المواقف الجزائرية اتجاه القضايا العادلة، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية والحق في الاستقلال وتقرير المصير. وفي هذا الإطار، تظهر للعلن حملات مسعورة تسعى إلى استهداف الجزائر ومؤسساتها عن طريق أخبار وتقارير مفبركة تُصنع في قاعات التحرير الخاصة ببولوريه، وتوزع عبر منصات نظام المخزن المغربي.
إن الدعوات إلى التظاهر في الجزائر، المعلن عنها يوم الجمعة 3 أكتوبر 2025 من طرف مجموعة تسمي نفسها “GenZ 213″، والتي ضخمتها بعض وسائل الإعلام المغربية وكذا مجموعة “GenZ 212″، لا تندرج في إطار مطالب اجتماعية بحتة، بل تأتي ضمن استراتيجية سياسية ترمي إلى تصدير الأزمات المغربية للخارج ومحاولة النيل من تماسك الجبهة الداخلية الجزائرية، فالمغرب يعاني من أزمة اجتماعية عميقة، وتشهد عدة مدن أسبوعيا مظاهرات شبابية تندد بتفاقم الفقر وشدة الاحتقان الاجتماعي والتردي الاقتصادي المدوّي.
إن هذا الرفض يستهدف مباشرة سياسة البذخ التي ينتهجها المخزن، الساعي إلى جعل تنظيم كأس العالم وكأس إفريقيا واجهة دولية، في وقت يطالب السكان قبل كل شيء بضمان أبسط الخدمات الأساسية.. هذه الأصوات تعبر عن واقع صارخ: التناقض الفادح بين استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية وبين البؤس الذي ينخر الحياة اليومية للمواطن المغربي.
كما أن رفض الشارع المغربي لاتفاقيات أبراهام، الذي تفاقم مع المجازر الصهيونية في غزة، عمّق الشرخ داخل المجتمع، وبدلا من مواجهة هذه الأزمات البنيوية، تفضل بعض الأبواق الإعلامية للمخزن تحويل الأنظار نحو الجزائر عبر تضخيم دعوات لا أساس لها، في محاولة لإيهام الرأي العام بأن سيناريو مماثل قد يحدث في الجزائر.
وبالموازاة مع ذلك، صدر المقال الذي نشرته “جون أفريك”، الذي وصفته المصادر الجزائرية بأنه جزء من حملة إعلامية تموّلها جهات مغربية، تهدف إلى زعزعة صورة الجزائر أمام الرأي العام الدولي. وأشارت إلى أن المقال يحتوي على “معلومات مغلوطة”، ويعتمد على ادّعاءات عن علاقات خيالية بين الجزائر والكيان الصهيوني، الأمر الذي وصفته المصادر بأنه “يضحك العقلاء”. وأكدت المصادر أن مواقف الجزائر تجاه القضية الفلسطينية واضحة وثابتة، سواء من خلال دعمها المعلن في المحافل الدولية أو من خلال المواقف الدبلوماسية الرسمية.
واعتبرت سعي الصحافة المغربية لتشويه هذه المواقف “محاولات يائسة”، هدفها البحث عن تناقضات وهمية في سياسة الجزائر، وتوجيه الأنظار بعيدًا عن التطبيع المغربي. المصادر أشارت أيضًا إلى أن الحملة تهدف إلى صرف الأنظار عن “التعاون المتزايد” بين المغرب والكيان الصهيوني، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية، وأكدت أن “المغرب يحاول الترويج لفكرة أن الجزائر تستخدم القضية الفلسطينية لدعم القضية الصحراوية”، في محاولة لتشويه نوايا الجزائر وتشتيت الأنظار عن علاقاته المتنامية مع الكيان الصهيوني.
صلابة الداخل الجزائري وآليات المواجهة
غير أن الجزائر واعية بتحدّياتها، وتواجهها عبر مؤسساتها ونموذجها الاجتماعي ووحدتها الوطنية، فالدعوات التي تطلق من الخارج، على غرار تلك المعلن عنها في 3 أكتوبر 2025، ليست عفوية، بل محاولة مدسوسة لزعزعة الاستقرار. وراء الشعارات والوسوم، تختبئ استراتيجية تفكيك، أما الردّ فيكمن في اليقظة، في تعزيز الوحدة الوطنية، وفي تطوير متواصل للنموذج الاجتماعي الجزائري. فالمخزن لن يصيب في تحويل أوهامه إلى حقائق: فالجزائر ليست المغرب، وهي تملك من الموارد السياسية والاجتماعية والتاريخية ما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة محاولات التشويش الخارجي، لأن تماسكها الداخلي يشكل حاجزًا أمام أي اختراق سردي خارجي.
إن الدولة الاجتماعية في الجزائر ليست واجهة شكلية، بل حصن حقيقي ضد التهميش والفقر، وضمان لتماسك الأمة، وهي مكاسب تميز الجزائر عن المغرب، حيث تتفاقم الفوارق ويظل معظم الثروة محتكرا من أقلية ضيقة.
والجزائر كغيرها من دول العالم، تمتلك تطبيقات عملية ذات تقنيات عالية وبأيدي جزائرية ترصد في إطار عملها الروتيني كل مقال يصدر عن الجزائر في وسائل الإعلام العالمية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتميز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك، بين الخوارزميات والتأثير، وبين الإعلام التقليدي والذكاء الاصطناعي، لتبقى شامخة تقرأ تعقيدات الحاضر وتصنع معادلات المستقبل.




