الثقافة

خمس سنوات من وفاته.. محمد الطاهر الفرقاني عميد موسيقي المالوف

رغم مرور خمس سنوات ، على رحيل مبدع الموسيقى الأندلسية، محمد الطاهر الفرقاني، الذي كتب اسمه بأحرف من ذهب، في تراث المالوف،.

محمد الطاهر الفرقاني (9 ماي 1928 في قسنطينة – 7 ديسمبر 2016 في باريس) يُعتبر عميد الموسيقي الأندلسية المعروفة باسم المالوف، وكان الأب حمو فرقاني (1884ـ1972) مطرباً وملحناً وعازفاً في الطابع الحوزي، وسجّل أكثر من 20 أسطوانة، وكانت الأخت الحاجة زهور (1915ـ1982) تؤدي المالوف وعازفة كمان ومديرة فرقة نسائية، وكذلك أخيه الزواوي الموسيقي المحترف منذ الثلاثينيات على الكمان والعود، وأخويه عبد الحميد ومعمر كانا موسيقيين أيضاً، إلا أن الثلاثة ربطوا مصيرهم نهائياً بالسيرة الخارقة لأخيهم محمد الطاهر، وشكّلوا، وإن بدو أقل شهرة، أول نادٍ للفراقنة.

وبدأ محمد الطاهر، منذ سن الثامنة عشرة، بتعلم الموسيقى المصرية القديمة، وبالعزف على الناي، قبل أن ينضم إلى جمعية “طلوع الفجر”، ليتعلم فيها مبادئ الطرب الشرقي، وفرضته جودة وقوة صوته، وقدرته على الاستيعاب، وكفاءته الفنية (فهو يتقن العزف على آلات موسيقية عدة) بسرعة في الساحة الموسيقية القسنطينية. وفي عام 1951 بعنابة، حاز على الجائزة الأولى في مسابقة موسيقية، ليسجل بعدها أسطوانته الأولى لدى “ديريفون”، ما جعل منه مؤثراً عبر أسطواناته التي تركها وراءه، خصوصاً في الأوساط المسلمة. إلى جانب ذلك، زعزع الهيمنة التي كانت للمطرب اليهودي ريمون ليريس، وهو عم المغني الشهير أنريكو ماسياس.

وبالموازاة مع افتتانه بالموسيقى تعلم فرقاني أيضا الطرز التقليدي القسنطيني تلك الحرفة الأخرى التي ارتبطت بالعائلة لاسيما لدى شقيقه عبد الكريم قبل أن يكرس نفسه بشكل نهائي للموسيقى في سنوات الأربعينات.

التربّع على عرش الموسيقي

عززت حرب التحرير، بصورة مفارقة، شعبية فرقاني ونفوذه، ولم يحد انطواؤه الحرفي، الطرز، من مشاركته في الأعراس والحصص الإذاعية. بعد الاستقلال، تربّع على عرش ريادة الميدان الموسيقي، فارضاً نفسه كمطرب شعبي وأستاذ في طبع المالوف، وهو الوضع الذي ضمنه أولاً في السوق بإنشاء مؤسسة إنتاجه وبنشر أسطواناته مباشرة، وكرسته الستينيات فناناً وطنياً، وظل منذ ذلك الوقت يشترك في تظاهرات تمثيل الثقافة الجزائرية في الخارج، ويُعترف به كمَعلم من معالم المالوف، بفضل أدائه؛ إذ يتميز بفضل صوته، حسب المختصين، “بقدرته على أداء أغانيه على أربع مجموعات من ثماني وحدات (أوكتاف)”، وعلى “أدائه الأغاني التقليدية بطريقة متزنة، يسحر بها جمهوره الواسع والعريض”.

ولا يخف الفرقاني أن الطابع الفني القسنطيني (نسبة لقسنطينة) مقترن باسم الفرقاني، وأن مدرسة الفرقاني هي التي ساهمت في وضع أسس المالوف وتقديمه وإبرازه بالشكل المتعارف عليه حاليا، وذلك حسب ما جاء في حوار له لصحيفة جزائرية.

تلك المدرسة التي يرى الفرقاني – بحسب حواره- أنه حافظ عليها من خلال خمسين تسجيل أسطوانة تعد باكورة الأعمال التي أداها في سنين خلت، كما أن حفيده عدلان الفرقاني يعتبر من أهم الأصوات التي اعتمد عليها في نقل وحفظ أصول الغناء الفرقاني.

وانتقد الفرقاني من سماهم محرفي المالوف عن الساحة الفنية لأن محاولاتهم لتجديد الموسيقى القسنطينية هي بمثابة تشويه لتراث كبير وتعكير للروح الصافية التي تميز المالوف من ناحية القصائد المغناة والآلات التي تعزف أجمل الألحان.

ويرى أن نجاح أي فنان ومؤد لأغاني المالوف مرتبط بمدى قدرته على التذوق الفني واستشعار أجواء الموسيقى وغرامها، فالاستماع إلى هذا الفن هو الطريق للغوص في خباياه واكتشاف أسراره.

 أكثر من 80 أسطوانة ومئات الأغاني

 وفي حوزة المرحوم مئات التسجيلات لأغاني المالوف ولكن أيضا في الطبوع الموسيقية الاخرى كالمحجوز وزجول والحوزي. وهذه التسجيلات كما يرى المختصون في الموسيقى ساهمت بشكل كبير في الحفاظ على التراث الموسيقي لقسنطينة.

وكان اخر ظهور لمحمد طاهر فرقاني امام الجمهور في جويلية 2015 بمناسبة تكريم ابيه حمو فرقاني وشقيقه محمد صديق الذي يدعى “زواوي” وذلك في اطار تظاهرة “قسنطينة عاصمة الثقافة العربية” حيث قدم عميد المالوف و سنه 87 عاما طعما خاصا لقعدة قسنطينية محضة استقبل خلالها بالزغاريد و التصفيق.

وفي شهادة له بمناسبة مرور سنة على رحيله، يذكر سليم الفرقاني أن والده فكّر ”سنة 1952 في فتح أستديو للتسجيلات، وكان له ذلك مع شريكه محمد دردور، وتم إنشاء الشركة التي تختصر الحرفين الأولين للقب العائلي دردور باللغة الفرنسية، والأولين للقبنا العائلي الأصلي رقاني، وتم تسجيل أول أسطوانة في نوع الحوزي حبيبك لا تنساه “.ويذكر نجله سليم، أن والده “سجّل أزيد من 80 أسطوانة لمئات الأغاني “

وتستمر سلالة غناء المالوف مع مراد وسليم نجلي الراحل وكذلك حفيده عدلان الذين يسعون إلى ضمان استمرارية مدرسة الفرقاني.

تأثّر الابن بأبيه، حيث دعا سليم فرقاني نجل أيقونة المالوف، الشباب المهتمين بفن المالوف إلى “بذل مزيد من الجهد والتقرب من الشيوخ للغرف من مخزونهم المعلوماتي والتراثي”. وقال إنه انتهى من إعداد “أنطولوجيا المالوف” المتكونة من 40 قرصاً في جزأين؛ سجل فيها جزءاً من الريبرتوار المعروف لهذا الفن إلى جانب مؤلفين دوّن فيهما الأشعار المغناة بترجمات إلى اللغات الفرنسية والإنكليزية والإسبانية. وأُنجز هذا العمل “الضخم”، كما قال الفرقاني، تحت رعاية وزارة الثقافة وسجّله بصوته.

محمد عبيدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button