الأخبارالجزائر

8 ماي 1945.. مجزرة جديدة لفرنسا في الجزائر بينما يحتفل العالم بالقضاء على النازية

في 8 ماي 1945، بينما كانت دول الغرب، التي تدعي أنها “العالم الحر”، تحتفل بانتصارها على النازية، كانت فرنسا تواصل قمع الحقوق و الحريات التي تدعي الدفاع عنها. وبينما رُفعت الأعلام في العواصم الأوروبية احتفاءً بالنصر على الفاشية، كانت مدن حزائرية كسطيف، وقالمة وخراطة، تغرق في دماء أبنائها العزل الذين خرجوا سلمياً يطالبون بحقهم في الحرية.

فرنسا، التي طالما تباهت بحماية حقوق الإنسان، كانت هي نفسها من تمارس أفظع المجازر بحق الجزائريين الذين لم يطالبوا سوى بحقوقهم الأساسية. مجزرة 8 ماي كانت تجسيداً حياً لانتهاك الحريات تحت ستار “الإنسانية”، لتكشف أن فرنسا لم تكن تدافع عن الحريات، بل كانت تجني ثمار الاستعمار على حساب دماء الأبرياء.


خلفية تاريخية.. بين وعود زائفة وآمال مشروعة

أثناء الحرب العالمية الثانية، تم تجنيد عشرات الآلاف من الجزائريين قسرًا في صفوف الجيش الفرنسي لمحاربة النازية. وقدّم الجزائريون تضحيات جسام في سبيل تحرير فرنسا نفسها، آملين أن تؤدي نهاية الحرب إلى اعتراف فرنسا بحقهم في تقرير مصيرهم. بل إن الحلفاء، في “الميثاق الأطلسي” الصادر عام 1941، تحدثوا عن “حق الشعوب في تقرير مصيرها”، وهو ما فُسّر على أنه بادرة أمل لبلدان المستعمرات.

في هذا السياق، قام الزعيم فرحات عباس، بدعم من حركة “أحباب البيان والحرية”، بصياغة “بيان الشعب الجزائري” في 10 فبراير 1943، الذي طالب فيه بمنح الجزائريين حقوقهم السياسية والمدنية. قوبل البيان بالتجاهل، ورفضت فرنسا مناقشة أي مطالب تمس نظامها الاستعماري القائم على الإقصاء والتمييز العرقي.

مسيرة 8 ماي.. العلم الجزائري يُرفع لأول مرة

في 7 ماي 1945، كانت مدينة سطيف، كباقي مدن الجزائر، تشهد حالة من الترقب. قررت حركة “أحباب البيان” تنظيم مسيرة سلمية يوم 8 ماي للاحتفال بانتهاء الحرب، مع رفع مطالب الاستقلال. وقد تم التقدم بطلب رسمي إلى السلطات الفرنسية، بحجة أن المسيرة ستنتهي بوضع إكليل من الزهور على “نصب الموتى” تخليدًا لضحايا الحرب.

في صباح 8 ماي، توافد الآلاف إلى مسجد أبي ذر الغفاري في سطيف، نقطة انطلاق المسيرة. تقدم المسيرة 250 شبلاً من الكشافة الإسلامية الجزائرية بزيهم الرسمي، تلتف الأوشحة الخضراء والبيضاء حول أعناقهم. كانوا يرفعون لأول مرة العلم الجزائري، الأخضر والأبيض، تتوسطه نجمة وهلال أحمران. وصدحت الحناجر بنشيد “من جبالنا”، تتردد أصداؤه في كل الأرجاء.

لكن هذه المشاهد لم تكن لتُحتمل من طرف المستوطنين الفرنسيين، ولا الشرطة الفرنسية. وعند الوصول إلى “مقهى فرنسا”، رأى المفوض الفرنسي “لوسيان أوليفييري” العلم الجزائري فأمر بإزالته. رفض الشاب بوزيد سعال إنزال العلم، فكانت الطلقة الأولى التي أردته شهيدًا، إيذانًا ببدء المذبحة.

جراح الذاكرة.. نار المستعمر في أرض الأحرار

سادت الفوضى في سطيف، وهرب المستوطنون، بينما بدأت القوات الفرنسية إطلاق النار بشكل عشوائي على الحشود. امتدت الأحداث إلى قالمة وخراطة، حيث خرج آلاف الجزائريين في مظاهرات مماثلة. فكان الرد الفرنسي دموياً بكل المقاييس.

أُعلنت الأحكام العرفية، وفُرض حظر التجول، وشنت قوات الجيش والدرك والمليشيات الاستيطانية حملات تمشيط واسعة في المدن والقرى. قُصفت القرى بالطائرات، وأُحرقت المنازل بمن فيها. أُعدم المئات ميدانيًا دون محاكمة، وألقي بالآلاف في السجون، وتعرض كثيرون للتعذيب.

أشرف الجنرال الفرنسي “دوفال” بنفسه على العمليات، مستعينًا بوسائل قمعية فاقت في عنفها كل ما سبق. استخدمت المدافع، والدبابات، والطائرات، والسفن الحربية لقصف سواحل بجاية، ومناطق القبائل، وأرياف سطيف وخراطة.

شهادات وحقائق دامغة

يروي المجاهد محمد الهادي الشريف، أحد قادة المسيرة، أن عدد المتظاهرين صباح يوم 8 ماي تجاوز 10,000 شخص، وكانوا يتقدمون في نظام وانضباط. ويتذكر لحظة سقوط بوزيد سعال بأنها اللحظة التي انكسر فيها جدار الصمت، ليبدأ الرعب الحقيقي.

وتتفق الوثائق والشهادات الموثقة في أرشيف متحف المجاهد على أن عمليات القتل الجماعي لم تكن مجرد رد فعل غاضب، بل حملة تطهير منظمة أرادت من خلالها فرنسا إسكات الصوت الوطني الناهض.

الدم يسبق الاستقلال

أسفرت مجازر 8 ماي 1945 عن سقوط أكثر من 45 ألف شهيد، بحسب تقديرات جزائرية. لم تعترف فرنسا بحجم الجريمة، بل حاولت طمسها لعقود. غير أن هذه المجازر كانت بمثابة الشرارة التي أيقظت الوعي الوطني، وأقنعت الجزائريين باستحالة تحقيق الحقوق عبر الوسائل السلمية.

فمنذ ذلك اليوم، بدأت خيوط الكفاح المسلح تتبلور، ليتحول الغضب إلى نواة ثورة أول نوفمبر 1954، التي ستحمل السلاح لاسترداد الكرامة والسيادة.

ثمانون سنة مضت على تلك المأساة، ولا تزال مجازر 8 ماي 1945 محفورة في الذاكرة الجزائرية كوصمة عار على جبين فرنسا الاستعمارية. هي ليست فقط ذكرى دموية، بل محطة مفصلية في مسيرة التحرر الوطني. إنها اللحظة التي سقط فيها القناع عن شعارات الغرب، وكشفت الوجه الحقيقي للاستعمار الذي لا يعرف معنى للحرية إلا إذا كان المستفيد منها من بني جنسه.
اليوم، ترفع الجزائر علمها خفاقًا، لكنها لا تنسى. فمجازر 8 ماي لم تكن نهاية، بل بداية لملحمة شعب صمم على أن يكون حرًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى