أفريقيا

وفاة مواطن أمام مستشفى.. سقوط الأقنعة وانكشاف حقيقة أزمة الصحة في المغرب

أعادت وفاة مواطن مغربي أمام باب استعجالات المستشفى الإقليمي ابن باجة بمدينة تازة فتح جرح عميق في الوعي الجماعي للمغاربة، بعدما تحولت لحظات معاناته الأخيرة إلى مشهد صادم انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، كاشفاً حجم التدهور الذي تعيشه المنظومة الصحية العمومية، ومفجراً موجة غضب واستياء غير مسبوقة تجاه السلطات المعنية.

فالرجل الذي ظل لساعات طويلة ممدداً أمام باب قسم الاستعجلات، محرومًا من الرعاية الطبية الضرورية، لم يكن مجرد ضحية حادث عرضي أو خطأ فردي، بل أصبح رمزاً لفشل بنيوي يضرب قطاع الصحة في المغرب منذ سنوات، رغم الخطابات الرسمية المتكررة التي تتحدث عن الإصلاح والتحديث وتطوير البنية التحتية الصحية.

وقد أثارت هذه المأساة صدمة واسعة داخل الأوساط الحقوقية والمدنية، حيث وصفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الحادثة بأنها “وصمة عار” على جبين منظومة صحية مهترئة تُترك فيها أرواح المواطنين لمصيرها أمام أبواب المستشفيات. وأكدت الجمعية أن إقليم تازة يعيش وضعاً صحياً متردياً نتيجة النقص الحاد في الأطر الطبية والتمريضية والتجهيزات الأساسية، مشيرة إلى غياب تجهيزات ضرورية مثل جهاز الأشعة والأطباء المختصين، الأمر الذي يجبر المرضى على التنقل إلى مدن أخرى، وفي مقدمتها فاس، لإجراء فحوصات وعلاجات أساسية.

ولم تقتصر ردود الفعل على المنظمات الحقوقية، بل امتدت إلى عدد من الصحفيين والفاعلين المدنيين الذين اعتبروا أن ما جرى يعكس انهياراً حقيقياً لمنظومة الاستقبال والعلاج داخل المؤسسات الصحية العمومية. وذهبت المنظمة الوطنية المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد إلى اعتبار ما حدث “جرس إنذار” يكشف الوضع الكارثي للصحة العمومية، مؤكدة أن الوفاة لا يمكن اختزالها في مجرد حادث مؤسف، بل هي نتيجة مباشرة للإهمال وسوء التدبير وتفكك منظومة الرعاية الصحية.

وتساءل العديد من المراقبين عن جدوى الوعود الحكومية المتكررة بإصلاح القطاع الصحي في وقت تتكرر فيه المآسي الإنسانية في مختلف مناطق البلاد. فقبل هذه الحادثة، شهد المغرب صدمات مماثلة، من بينها وفاة نساء حوامل بسبب غياب الرعاية الطبية اللازمة، وهو ما غذّى شعوراً متزايداً لدى الرأي العام بأن الخدمات الأساسية تشهد تراجعاً خطيراً رغم الميزانيات المعلنة والمشاريع التي يتم الترويج لها إعلامياً.

ويرى منتقدون أن المفارقة الصادمة تكمن في التباين بين الخطاب الرسمي الذي يقدم صورة متفائلة عن واقع التنمية والتحديث، وبين معاناة المواطنين اليومية داخل المستشفيات العمومية التي تعاني من نقص مزمن في الموارد البشرية والتجهيزات والأدوية. فالمشكلة، بحسب هؤلاء، لم تعد مجرد نقص في الإمكانيات، بل أصبحت تعكس أزمة حوكمة وتدبير ومساءلة.

لقد تحولت مأساة تازة إلى قضية رأي عام لأنها لامست شعوراً جماعياً بالهشاشة وفقدان الثقة في قدرة المرافق العمومية على أداء وظائفها الأساسية. فحين يموت مواطن أمام باب مستشفى دون أن يجد من ينقذه، فإن السؤال يتجاوز حدود الواقعة نفسها ليطال جوهر السياسات العمومية ومدى قدرتها على حماية الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

ومهما كانت نتائج التحقيقات المرتقبة، فإن الحادثة أعادت إلى الواجهة مطالب ملحة بإصلاح عميق للقطاع الصحي، يقوم على توفير الموارد البشرية الكافية، وتجهيز المستشفيات بالمعدات الضرورية، وضمان المساواة في الولوج إلى العلاج، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لأن استمرار تكرار مثل هذه المآسي لا يمثل فقط فشلاً إدارياً أو صحياً، بل يمس بصورة مباشرة أحد أبسط الحقوق التي يفترض أن تضمنها أي دولة لمواطنيها: الحق في العلاج والحياة الكريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى