أفريقياالأخبارالدبلوماسية

من رحم الاستعمار وُلدت البوليساريو: 53 عامًا من مقاومة الاحتلال الإسباني ثم المغربي

لم تولد جبهة البوليساريو في قاعات المؤتمرات ولا في دهاليز الدبلوماسية، بل خرجت من قلب الصحراء، من خيام اللاجئين، ومن غضب شعبٍ أدرك أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. لم تكن الجبهة مشروعًا سياسيًا طارئًا، ولا رد فعل ظرفيً على نزاع حدودي كما يحاول البعض تصويره، بل كانت منذ اللحظة الأولى إعلانًا صريحًا عن ثورة تحرر وطني ضد الاستعمار الإسباني الذي كان يحتل أرض الصحراء الغربية ويحرم شعبها من حقه الطبيعي في تقرير مصيره.

حين أسس الشهيد الولي مصطفى السيد ورفاقه الجبهة، لم يكن في مواجهة دولة مجاورة، بل في مواجهة إمبراطورية استعمارية أوروبية تملك السلاح والعتاد والدعم الدولي. ومع ذلك، اختار الصحراويون طريق الثورة، وأطلقوا أولى عملياتهم العسكرية في الخنكة، معلنين أن زمن الخضوع قد انتهى وأن شعب الصحراء الغربية قرر أن يكتب تاريخه بدمائه لا بحبر المحتلين.

لقد أجبرت البوليساريو إسبانيا على الاعتراف بأن الأرض التي ظنت أنها هامش منسي في إفريقيا تخفي شعبًا لا يقبل المساومة على حريته. ومع تصاعد الكفاح المسلح، بدأت مدريد تدرك أن احتلالها يلفظ أنفاسه الأخيرة. لكن الاستعمار، وهو ينسحب من الباب، حاول أن يعود من نافذة أخرى. ففي اتفاقية مدريد، جرى تسليم الإقليم دون استشارة سكانه، في خطوة اعتبرها الصحراويون استبدالًا لعلم استعماري بآخر.

وهكذا وجد الشعب الصحراوي نفسه أمام احتلال جديد، هذه المرة من طرف المغرب. غير أن ما لم يفهمه الاحتلال الجديد هو أن الجبهة التي هزمت الاستعمار الإسباني لم تُخلق لتستسلم. فواصلت البوليساريو القتال، وأعلنت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ورسخت حضورها في الاتحاد الإفريقي، وحولت قضية شعبها إلى إحدى أبرز قضايا تصفية الاستعمار في العصر الحديث.

بعد ثلاثة وخمسين عامًا، لا تزال البوليساريو تمثل بالنسبة للصحراويين أكثر من تنظيم سياسي؛ إنها ذاكرة جماعية، وهوية وطنية، وتجسيد لإرادة شعب رفض أن يُمحى من الخريطة. من مخيمات اللاجئين إلى المدن المحتلة، ومن ساحات المعارك إلى المحاكم الدولية، يتكرر المشهد نفسه: شعب يرفض الخضوع، وجبهة تواصل حمل راية التحرر.

ورغم كل محاولات الالتفاف السياسي والدعائي، بقيت حقيقة واحدة عصية على الطمس: البوليساريو لم تولد لتقسيم وطن، بل وُلدت لتحرير وطن. نشأت في مواجهة الاستعمار الإسباني، واستمرت في مواجهة الاحتلال المغربي، وما تزال تستمد شرعيتها من مبدأ بسيط كرسته الأمم المتحدة: أن الشعوب وحدها تملك الحق في تقرير مصيرها.

إن الذكرى الثالثة والخمسين لتأسيس البوليساريو ليست احتفالًا بتاريخ منظمة، بل استحضارًا لقصة شعب تحدى الإمبراطوريات والجيوش والتحالفات، ورفض أن يقبل بأن تتحول أرضه إلى غنيمة سياسية. إنها شهادة على أن الاستعمار قد يغير وجوهه وأعلامه، لكنه يظل استعمارًا، وأن المقاومة بدورها قد تتبدل أدواتها، لكنها لا تتخلى أبدًا عن هدفها النهائي.

لقد رحلت إسبانيا، لكن القضية بقيت. وتغيرت خرائط النفوذ، لكن مطلب الحرية لم يتغير. وما دام الشعب الصحراوي متمسكًا بحقه، ستظل البوليساريو الحقيقة التي لا يستطيع أي خطاب دعائي محوها: حركة تحرر وطني بدأت بطرد الاستعمار الإسباني، ولن تتوقف حتى يرحل آخر احتلال عن أرض الصحراء الغربية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى