الجزائر

من إيفيان إلى حرب الرمال.. الجزائر لقّنت العالم كيف تُصان الوحدة الترابية

الوحدة الترابية ليست مصطلحا يُستدعى من قاموس الدبلوماسية كلما أُريد رسم وتلوين حدود وهمية، وليست شعارا يُرفع في المنابر الدولية ثم يُنسى عند أول اختبار. الوحدة الترابية تُقاس عندما تصبح الأرض نفسها موضع تفاوض، وعندما يُطلب من شعبٍ أن يختار بين استقلالٍ منقوص ووطنٍ كامل.

وهنا تحديدا تملك الجزائر جوابا لا تصوغه الخطب، بل تصوغه وقائع التاريخ.

فحين اندلعت ثورة التحرير الجزائرية سنة 1954، لم تكن المعركة من أجل استقلال مدن أو أقاليم معينة وإنما من أجل استعادة الجزائر بكامل ترابها. ولهذا كان واضحا في الموقف التفاوضي الجزائري أن الاستقلال لا يمكن أن يكون قابلا للتجزئة، وأن الجزائر التي ستخرج من الحرب هي الجزائر بكل أقاليمها، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.

وهنا تحديدا جاءت واحدة من أكثر محطات التاريخ الجزائري دلالة على معنى الوحدة الترابية: مفاوضات إيفيان.

ففرنسا، وهي تدرك أن نهاية الحرب تقترب، وأن انتصار الجزائريين وشيك، لم تكن تنظر إلى الصحراء باعتبارها مجرد مساحة جغرافية. كانت هناك مصالح استراتيجية وعسكرية واقتصادية هائلة، من بينها المنشآت القاعدية وموارد الصحراء الثمينة. ولذلك كانت قضية الصحراء الجزائرية من الملفات الحساسة في المفاوضات، إلى جانب القواعد العسكرية والمصالح الفرنسية.

لكن الموقف الجزائري كان واضحا: لا استقلال مبتورا، ولا جزائر مجزأة.

وفي النصوص النهائية لاتفاقيات إيفيان، جرى تثبيت أن عملية تقرير المصير ستشمل مجموع التراب الجزائري، أي كل الأقاليم التي كانت تشكل الجزائر آنذاك، ومن بينها أقاليم الصحراء.

وهنا يكمن الدرس الذي لا يحتاج إلى خطابة.

الجزائر لم تطلب أن يُمنح لها إقليمها الجنوبي باعتباره امتيازا، ولم تقبل أن تكون الصحراء ورقة تفاوض منفصلة عن استقلالها. لقد كافحت الثورة من أجل الجزائر كوحدة واحدة، وعندما وصلت إلى طاولة المفاوضات حملت معها المبدأ ذاته: السيادة لا تتجزأ، والوطن لا يُرسم على مقاس مصالح القوة الاستعمارية.

ثم جاء الاستقلال.

وكان يمكن أن تنتهي القصة هنا، لولا أن اختبار الوحدة الترابية انتقل من قاعات التفاوض إلى الحدود.

في سنة 1963، وبعد أشهر قليلة فقط من استقلال الجزائر، وقف العالم مدهوشا أمام بسالة الجيش الجزائري الذي تصدى بقوة لمحاولات التوسع المغربي، وأجبره على التراجع والاستسلام بعد أن فشل في تحقيق أي من أهدافه الميدانية. هذه الحرب التي لم تكن نتيجة “خلاف حدودي كما يحلو للبعض وصفها، بل كانت اعتداءا مغربيا سافرا استهدف دولة جارة تحاول لملمة جراحها بعد استعمار دام 132 سنة.

فالجزائر التي خرجت من حرب تحرير طاحنة لم تتعامل مع حدودها باعتبارها تفصيلا قابلا للمساومة، بل باعتبارها جزءا من سيادتها. وفي خضم الحرب، تمسكت الجزائر بمبدأ رفض تغيير الحدود بالقوة، وهو المبدأ الذي كانت كل الدول الإفريقية قد أقرته أيضا في سياق منظمة الوحدة الإفريقية.

من إيفيان إذن إلى حرب الرمال، يظهر معنى الوحدة الترابية الجزائرية بعيدا عن المزايدات اللفظية.

في إيفيان، رفضت الجزائر أن تُجزّأ وهي تنتزع استقلالها. وفي حرب الرمال دافعت عن حدودها وهي تبني دولتها المستقلة.

ذلك هو الفارق بين من يتعامل مع “الوحدة الترابية” باعتبارها مصطلحا دبلوماسيا للاستهلاك السياسي، وبين دولة جعلت من وحدة ترابها خطا أحمر دفع شعبها ثمن الدفاع عنه دما وتضحيات.

ولذلك فإن التاريخ الجزائري لا يحتاج إلى مسابقات في عدّ القرون، ولا إلى البحث عن أرقام تُستخدم كبديل عن الحقائق.

يكفي أن نتذكر أن فرنسا نفسها، بعد ثورة استمرت أكثر من سبع سنوات، دخلت مفاوضات مع ممثلي الثورة الجزائرية، وأن اتفاقيات إيفيان أنهت الحرب وفتحت الطريق أمام استقلال الجزائر، مع إدراج الصحراء ضمن نطاق تقرير المصير الجزائري.

ثم، بعد الاستقلال مباشرة، كان على الجزائر أن تدافع مرة أخرى عن حدودها في مواجهة حرب الرمال. فهنا تُكتب دروس الوحدة الترابية، لا في الخطابات.

من جبال الأوراس إلى إيفيان، ومن إيفيان إلى تندوف وبشار، لم تكن الجزائر تفاوض على وجودها في التاريخ؛ كانت تفاوض على إنهاء حرب، وتنتزع استقلالا، ثم تدافع عن حدود دولة خرجت للتو من واحدة من أطول حروب التحرير في القرن العشرين.

ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يقوله التاريخ لمن يريد تحويل “الوحدة الترابية” إلى شعار سياسي هو أن يسأل أولا:

من دافع عن ترابه عندما كان الاستعمار يريد تجزئته؟ ومن رفض أن تكون الصحراء ثمنا للاستقلال؟ ومن حمل السلاح بعد الاستقلال عندما أصبحت الحدود نفسها موضع اختبار؟

الجواب مكتوب في ثلاث محطات لا تحتاج إلى تأويل:

الثورة الجزائرية… إيفيان… وحرب الرمال.

ثلاث محطات تختصر درسا واحدا:
الوحدة الترابية الجزائرية لم تُمنح في خطاب، ولم تُستورد من سردية تاريخية؛ لقد انتُزعت بالثورة، ثُبّتت في إيفيان، ودافع عنها الجيش الجزائري في الميدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى