الجزائر

مدينتان… عالم واحد: من فكر أوغسطينوس إلى خطاب ليو الرابع عشر

في ظروف دولية تتسم بتصاعد الحروب وتسارع التكنولوجيا مقابل تراجع القيم، عاد اسم أوغسطينوس إلى الواجهة من جديد، بوصفه أحد أبرز رموز الفكر الذي نشأ على أرض الجزائر. هذا الحضور لم يكن تاريخيًّا فقط، بل تجدد مع إعلان البابا ليون الرابع عشر، عقب انتخابه، انتماءه الفكري إلى أوغسطينوس بقوله: “أنا ابن أوغسطينوس.”

هذا التصريح أعاد تسليط الضوء على إرث أوغسطينوس، المولود في تاغاست “سوق أهراس حاليا” والمتوفى في هيبون وهو الاسم القديم لمدينة عنابة، والذي صاغ إحدى أهم الرؤى الفكرية في كتاب “مدينة الله”. ففي هذا العمل، يطرح أوغسطينوس ثنائية تقوم على التمييز بين “مدينة الأرض”، القائمة على حب الذات والسعي إلى السلطة وتبرير العنف، و”مدينة الله”، التي تقوم على نكران الذات والعدل والسمو الأخلاقي.

موقف البابا من الحرب، كما عبّر عنه في انتقاده للقادة الذين يبررونها باسم الدين، يعكس هذا الامتداد الفكري، حيث يؤكد أن الدين لا يُستخدم كغطاء للعنف، بل كمرجعية أخلاقية. وفي هذا السياق، تتجاوز الإشارة إلى أوغسطينوس بعدها اللاهوتي، لتتحول إلى تعبير عن رؤية للعالم في مواجهة واقع دولي مضطرب.

هذا الطرح يعيد إلى الأذهان سؤال مركزي عن مسار الإنسانية في ظل التحولات الراهنة: هل يتجه العالم نحو ترسيخ منطق القوة وحب الذات، أم نحو قيم العدل ونكران الذات؟ وهو سؤال يجد صداه أيضًا في الدين الإسلامي، مثل ما يرتبط بفكرة مجاهدة النفس وتقديم العدل على القوة.

ضمن هذا الإطار، تكتسب زيارة البابا إلى الجزائر دلالة رمزية، باعتبارها عودة إلى فضاء نشأت فيه هذه الأفكار، التي لا تزال حاضرة في النقاش الإنساني المعاصر. فالإشكال المطروح لا يتعلق فقط بمن يحكم العالم، بل بطبيعة القيم التي تؤطر هذا الحكم، وبالخيار بين نموذجين: أحدهما يقوم على القوة، والآخر على المعنى.

YouTube player

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى