أفريقياالأخبارالدولي

كيف اغتال الموساد المعارض المغربي المهدي بن بركة مرتين.. من باريس إلى شارع التطبيع

ليس من السهل أن تجد في التاريخ السياسي المغربي مفارقة أكثر قسوة من هذه: اسم المعارض والمناضل المغربي المهدي بن بركة، الذي اختُطف في باريس سنة 1965 في واحدة من أشهر الجرائم السياسية في القرن العشرين، يعود اليوم ليجد الحضور الصهيوني متمركزا في الشارع الذي يحمل اسمه.

بعد ستة عقود، يبدو الأمر وكأن جريمة بن بركة لم تنته عند اختفائه، وإنما وجدت طريقا آخر إلى الذاكرة المغربية عبر التطبيع، فالمهدي بن بركة لم يكن مجرد معارض مغربي، بل كان أحد أبرز رموز اليسار المغربي وحركات التحرّر في العالم الثالث، وكان منخرطا في مشروع سياسي أممي مناهض للاستعمار والإمبريالية والصهيونية، حتى أصبح أحد أبرز مهندسي مؤتمر القارات الثلاث، ولهذا لم يكن اختفاؤه في باريس مجرد تصفية حساب مغربية داخلية، بل جريمة سياسية ذات امتدادات استخباراتية دولية.

في 29 أكتوبر 1965، استُدرج بن بركة في باريس تحت غطاء مشروع فيلم وثائقي عن حركات التحرر العالمية، وتوثّق الروايات المنشورة أن العملية اعتمدت على استدراجه بواسطة عناصر من الشرطة الفرنسية إلى سيارة نقلته إلى فيلا بضواحي باريس، قبل أن يتسلّمه هناك الجنرال المغربي أوفقير ورفاقه، حيث اختفى أثره إلى الأبد، وتؤكد المصادر أن جثمانه لم يُعثر عليه حتى اليوم.

لكن الجانب الأكثر إثارة في القضية يتعلق بالدور الصهيوني، فحسب كتابات وتحقيقات استخباراتية نشرتها وسائل إعلام عربية وأجنبية، لم يكن الموساد مجرّد جهاز يراقب بن بركة من بعيد، وإنما كان جزءا من شبكة التعاون السري التي ربطت الكيان الصهيوني بأجهزة المخزن. وتذهب رواية حديثة مبنية على وثائق صهيونية إلى أن هذا التعاون وفّر دعما لوجستيا وتقنيا للعملية، من تتبع تحركات بن بركة إلى توفير وسائل تساعد منفّذي العملية على التحرك وإخفاء آثار الجريمة.

وتظهر هنا تفاصيل ما عُرف في بعض الروايات الصهيونية باسم “فضيحة بابا بترا”، شبكة من التعاون الاستخباراتي بين المخزن والكيان الصهيوني، كانت فيها المعلومات والوسائل اللوجستية جزءا من علاقة أوسع بين الطرفين. وتكشف روايات منشورة أن تتبّع تحركات بن بركة في أوروبا كان من بين جوانب هذا التعاون، في وقت كانت أجهزة مغربية تلاحقه على مدار الساعة.

أما قصة “الفيلم” فلم تكن سوى الطعم الذي قاد المعارض المغربي إلى الفخ. كان بن بركة قد وصل إلى باريس قادما من جنيف، وكانت لديه اتصالات مرتبطة بمشروع الفيلم، قبل أن يعترضه شرطيان فرنسيان ويطلبا منه مرافقتهما، وما إن دخل السيارة حتى بدأت العملية التي انتهت باختفائه.

وبينما بقيت تفاصيل التخلص من الجثمان واحدة من أكثر حلقات القضية غموضا، تشير روايات استخباراتية منشورة إلى مساهمة صهيونية في توفير وسائل وتقنيات لإخفاء الجثة ومحو آثار الجريمة، وتذهب روايات أحدث إلى الحديث عن مواد كيميائية استخدمت لتسريع تفكّك الجثمان.

لكن الجريمة، في معناها السياسي، لم تتوقف عند باريس، ففي منتصف أوت 2026، يعود اسم الكيان الصهيوني إلى المشهد المغربي من بوابة شارع يحمل اسم المهدي بن بركة نفسه. فبعد انتقال مكتب الاتصال الصهيوني إلى مقره الجديد في الرباط، يصبح العنوان في حد ذاته مفارقة ثقيلة: اسم المعارض المغربي الذي ارتبطت قضيته تاريخيا بشبكات استخباراتية صهيونية، يحمل اليوم عنوان مؤسسة تمثل الكيان رسميا في العاصمة المغربية.

وهنا يبدأ “القتل الثاني”

فإذا كان القتل الأول قد استهدف جسد بن بركة، فإن القتل الثاني يستهدف رمزيته وذاكرته، فتحويل شارع المعارض المغربي الذي حمل اسمه لعقود إلى عنوان للحضور الصهيوني الرسمي، في ظل التطبيع المغربي، يعني بالنسبة للمغربيين محاولة لإفراغ الاسم من دلالته التاريخية وتحويل المكان الذي يرمز إلى معارضته للنظام وإلى نضاله التحرري إلى مساحة عادية للحضور الصهيوني.

وهذا تحديدا ما يجعل المشهد أكثر استفزازا للذاكرة المغربية: الموساد الذي ارتبط اسمه في روايات وتحقيقات عديدة بقضية بن بركة، يصبح اليوم جزءا من المشهد الرسمي في شارع يحمل اسمه.

ليست القضية مجرد لوحة شارع ومكتب دبلوماسي.. إنها مواجهة بين ذاكرتين: ذاكرة بن بركة، المعارض واليساري والمناضل ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وذاكرة التطبيع الذي يحاول أن يجعل الحضور الصهيوني في المغرب أمرا عاديا.

والأكثر دلالة أن هذا يحدث في وقت تتواصل فيه الحرب على غزة والاعتداءات على القدس والضفة الغربية، بينما تواجه علاقات الكيان مع المغرب رفضا شعبيا متصاعدا، لذلك فإن ظهور علم الكيان ومكتب الاتصال في شارع بن بركة لا يمكن فصله عن سياق التطبيع، ولا عن الغضب الشعبي المغربي من الاحتلال الصهيوني لفلسطين.

لقد اختفى بن بركة في باريس، لكن اسمه بقي.. واختفى جسده، لكن رمزيته بقيت، واليوم يأتي التطبيع ليضع الحضور الصهيوني في العنوان الذي يحمل اسمه.

ذلك هو القتل الثاني: أن يُمحى الفارق بين الضحية والجلّاد في الذاكرة، وأن يتحول المكان الذي يحمل اسم المعارض المغربي إلى عنوان للحضور الذي ارتبط بقضية تصفيته.. هنا يتحول التطبيع إلى معركة على الذاكرة المغربية نفسها.

بن بركة غاب جسديا منذ 1965، لكن التطبيع أعاد جريمة اختفائه إلى الواجهة؛ وهذه المرة، ليس في باريس، بل في الرباط، وفي شارع يحمل اسمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى