
في ظل تنامي المخاوف في أوساط الرأي العام، تغرق فرنسا في أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، سمتها تدهور المالية العمومية تقابلها خلافات واستقطابات سياسية عميقة، ما يزيد احتمالات عودة حركة “السترات الصفراء” الاحتجاجية.
وتأتي هذه التوترات عشية دراسة مشروع قانون المالية لسنة 2027 في البرلمان، والذي يتضمن سلسلة من الإجراءات الصارمة، والتي أثارت انتقادات متزايدة من جانب عدد من المسؤولين السياسيين لاسيما تلك المتعلقة بالخيارات الاقتصادية المعتمدة خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين المواضيع التي تحتدم بشأنها النقاشات الوضع الاقتصادي الذي تعيشه فرنسا، مستوى الإنفاق العمومي، والضرائب واستدامة الدين، ما دفع بعض السياسيين إلى التحذير من سيناريوهات أسوء للبلاد.
في هذا السياق، شدد زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلونشون، في الآونة الاخيرة انتقاداته للحكومة، مؤكدا أن هذه الأخيرة “تجاوزتها الأحداث”، وأنها “تتأرجح بين حجج لا تصمد أمام الواقع”.
ومنذ عدة أسابيع، تزايدت الدعوات للتعبئة العامة احتجاجا على التدهور غير المسبوق للوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
وقد أعلنت أحزاب سياسية عدة مساندتها لدعوات التظاهر، لا سيما تلك التي تعول على عودة حركة “السترات الصفراء” إلى الواجهة، والتي هزت فرنسا وأدت إلى أزمة كبيرة، وسط قمع شديد وأعمال عنف ضد المتظاهرين.
بدوره دق الأمين الوطني للحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل، ناقوس الخطر من الأوضاع السائدة، داعيا إلى دعم يوم التعبئة النقابية المقرر في قطاع الوظيفة العمومية الثلاثاء المقبل.
وأشار في ذات السياق إلى أن “الفرنسيين يعانون ويجدون صعوبة حتى في دفع فواتيرهم”، محملا الحكومة مسؤولية الأزمة الحالية التي تمر بها فرنسا.
وهو نفس الرأي بالنسبة لعدد من الاقتصاديين الفرنسيين، الذين أكدوا أن الوضع الاجتماعي والإقتصادي في البلاد خلال السنة الجارية يعد “أسوأ بكثير مما كان عليه في بداية عهدة الرئيس إيمانويل ماكرون”.
واستدلوا في ذلك بالارتفاع الكبير في حجم الدين العمومي، الذي انتقل بين الربع الأول من عام 2017 والربع الأول من عام 2026، بمقدار 1.280 مليار يورو، في حين لم يرتفع الناتج المحلي الإجمالي سوى بمقدار 770 مليار يورو.
ويتجاوز الدين العمومي الفرنسي اليوم، 3500 مليار يورو، أي ما يعادل 3ر119 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى للمديونية منذ عام 1995، وفقا لبيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن مستوى الدين العمومي الفرنسي ما هو إلا نتيجة لسوء إدارة المالية العمومية، الأمر الذي أدى إلى حدوث عجز عمومي مستمر، مؤكدين بأن الدين الفرنسي “أصبح اليوم خارجا عن السيطرة”، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين، التي أصبحت أكبر بند في ميزانية الدولة، ومن المتوقع أن تتجاوز عتبة 100 مليار يورو في عام 2029.
ويشير المختصون الى أن العجز العمومي الذي بلغ 1ر5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، أعلى بكثير من سقف 3 بالمائة الذي تحدده القواعد المالية و الميزانياتية الأوروبية.
و نتيجة لذلك أصبحت البلاد مضطرة أكثر من أي وقت مضى إلى اعتماد “خطة تقشف صارمة”، تتضمن برنامجا للتكيف المالي بقيمة 54 مليار يورو، لتفادي ارتفاع العجز العمومي إلى 5ر6 بالمائة.
كما عاد معدل البطالة هو الآخر إلى الارتفاع، ليبلغ 3ر8 بالمائة من نسبة السكان النشطين خلال الربع الثاني من 2026، أين بلغ عدد العاطلين عن العمل آنذاك 2.677 مليون شخص، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2020.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لسنة 2027، يبقى تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد أحد أبرز مواضيع الخلاف والاستقطاب في فرنسا.




