التكنولوجيا

عيونٌ في السماء وعقولٌ رقمية: كيف ترسم التكنولوجيا الحديثة مستقبل مكافحة حرائق الغابات في الجزائر

مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تعود إلى الأذهان التحديات السنوية التي تواجهها الجزائر في حماية غطائها الغابي الشاسع من خطر الحرائق.

وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، لم تعد الأساليب التقليدية في المراقبة والمكافحة كافية لمواجهة نيران تتمدد بسرعة في التضاريس الجبلية الوعرة. واليوم، تقف الجزائر على أعتاب ثورة استراتيجية في إدارة الكوارث؛ حيث تتضافر جهود “المحافظة الوطنية للغابات” و”المديرية العامة للحماية المدنية” لتبني مقاربة استباقية تعتمد على ثالوث تكنولوجي متطور: الذكاء الاصطناعي (AI)، شبكات الجيل الخامس (5G)، وإنترنت الأشياء (IoT)، تتجسد في الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة (الدرون) والوسائل الجوية الحديثة ضمن حملة عام 2026 الممتدة من الفاتح مايو إلى غاية 30 نوفمبر.

الدرون: طليعة إنترنت الأشياء في سماء الغابات الجزائرية

في قلب هذه المنظومة الرقمية، تبرز الطائرات المسيرة كأهم وأنشط “عقدة” (Node) ضمن شبكة إنترنت الأشياء (IoT). لم تعد هذه الطائرات مجرد كاميرات طائرة، بل تحولت إلى محطات استشعار متنقلة ومعقدة، تم تجهيزها بكاميرات حرارية عالية الدقة، ومستشعرات بصرية متطورة، وأجهزة لقياس جودة الهواء ونسب الغازات، فضلاً عن مستشعرات لسرعة واتجاه الرياح.

وتشهد حملة هذا العام تميزاً لافتاً من خلال اللجوء المتزايد إلى هذه الوسائل التكنولوجية للكشف المبكر عن اندلاع النيران؛ حيث أكدت المديرية العامة للغابات أن هناك 35 طائرة مسيرة قيد الخدمة حالياً، مع اقتناء وشيك لـ 80 طائرة أخرى لتعزيز قدرات المراقبة الجوية. بالنسبة لفرق حماية الغابات، تُعتبر هذه الطائرات أداة مثالية للقيام بدوريات استطلاعية استباقية فوق الكتل الغابية الكثيفة في مناطق مثل جرجرة، الأوراس، والبابور، حيث يصعب وصول الدوريات الراجلة. تتكامل هذه الطائرات المسيرة مع نظام مراقبة أرضي يضم 510 أبراج مراقبة منصبة بالمناطق الغابية، مما يضمن إنذاراً مبكراً وتنسيقاً مباشراً مع فرق التدخل. إنها باختصار، حواسٌ إضافية تُزرع في قلب الطبيعة، تعمل على مدار الساعة لرصد أي تغيير طفيف قد يشكل شرارة لكارثة.

شبكات الجيل الخامس (5G): الجهاز العصبي للعمليات الميدانية

 

لكي تكون البيانات التي تجمعها طائرات الدرون الـ 115 (الحالية والمستقبلية) ومستشعرات إنترنت الأشياء ذات قيمة، يجب نقلها وتحليلها في أجزاء من الثانية. هنا يبرز الدور المحوري لشبكات الجيل الخامس للهاتف النقال (5G).

تتميز تقنية الجيل الخامس بصفتين حاسمتين في إدارة الكوارث: النطاق الترددي العريض جداً، وزمن الوصول (الكمون) شبه المعدوم. في سيناريو اندلاع حريق، تقوم طائرة درون تحلق فوق بؤرة النيران بالتقاط مقاطع فيديو حرارية وبصرية بدقة (4K). عبر شبكة الجيل الخامس، يتم بث هذا الحجم الهائل من البيانات بشكل فوري إلى غرف العمليات المشتركة والـ 40 رتلاً متنقلاً الموزعة عبر 40 ولاية، والمدعومة بـ 544 فرقة تدخل أولي مكلفة بالاستجابة السريعة.

هذا التدفق اللحظي للبيانات يسمح لقادة العمليات باتخاذ قرارات حاسمة بناءً على صور حية، مثل توجيه الشاحنات الصهريجية نحو الطرق الآمنة. علاوة على ذلك، تسمح قدرة شبكات (5G) على ربط ملايين الأجهزة في الكيلومتر المربع الواحد بخلق شبكة اتصال قوية ومستقرة بين أفراد التدخل على الأرض، وطائرات الدرون في السماء، ومراكز القيادة، مما يقضي على مشكلة انقطاع الاتصالات اللاسلكية التقليدية في المناطق الجبلية الوعرة.

الذكاء الاصطناعي: العقل المدبر وراء الكواليس

إذا كانت مستشعرات إنترنت الأشياء والدرون هي الحواس، وشبكة الجيل الخامس هي الجهاز العصبي، فإن الذكاء الاصطناعي هو العقل المدبر الذي يحلل، يفسر، ويتنبأ.

كمية البيانات التي ترسلها أسراب الطائرات المسيرة هائلة جداً وتفوق قدرة البشر على تحليلها لحظياً. تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي المدمجة في غرف العمليات بتحليل الصور الحرارية لتحديد “السلوك المتوقع للنيران”. ومن خلال دمج بيانات الدرون مع البيانات الطبوغرافية، وصور الأقمار الصناعية، والتوقعات الجوية، يمكن لنماذج التعلم الآلي التنبؤ بمسار انتشار الحريق بدقة مذهلة خلال الساعات القادمة.

هذا التنبؤ الرقمي يسمح بتحديد القرى والتجمعات السكنية التي قد تكون في مسار النيران قبل وصولها بوقت كافٍ، مما يسهل عمليات الإخلاء الاستباقي. كما يقوم النظام باقتراح التوزيع الأمثل للوسائل الجوية الهامة المجندة هذا العام، والتي تضم أسطولاً من حوالي عشرين طائرة ومروحية قاذفة للمياه، وعلى وجه الخصوص طائرات من نوع “إير تراكتور” (Air Tractor) ذات القدرات الكبيرة على الإخماد في المناطق صعبة الوصول والتضاريس الوعرة، مما يضمن استجابة فعالة بأقل قدر من إهدار الجهد والوقت.

من الاستباقية الرقمية إلى التنسيق القطاعي والمدني

لا تعمل التكنولوجيا بمعزل عن الواقع الميداني؛ بل هي الموجه الأساسي لجهود جبارة بُذلت على الأرض قبل انطلاق موسم الحرائق. فقد تم تكثيف أشغال تهيئة الغابات من خلال فتح وصيانة أكثر من 52,350 كلم من المسالك الغابية، وتهيئة 31,125 هكتاراً من الخنادق الواقية من الحرائق، إلى جانب إنشاء أكثر من 3,000 نقطة للتزود بالماء.

هنا يتدخل الذكاء الاصطناعي المدمج مع بيانات الدرون لتوجيه وإدارة هذه المخططات عبر مراحل محددة:

  1. الوقاية والتطهير القطاعي: بفضل المسح الجوي، تم تحديد الخطوط الحساسة القابلة للاشتعال، مما سمح بإشراك قطاعات حيوية مثل قطاع الطاقة (سونلغاز) لتنظيف المناطق الواقعة تحت خطوط التوتر العالي، والأشغال العمومية لمحيط الطرق، والمؤسسة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية لتطهير مسارات القطارات من الأعشاب الجافة والأحراش.
  2. التحسيس والضبط البشري: تم استخدام البيانات الجوية لتحديد المستثمرات الفلاحية المتاخمة للغابات وتحسيس الفلاحين بأهمية إنشاء أحزمة وقائية. كما تدعم هذه التكنولوجيا قرارات الغلق المؤقت لبعض المقاطع الغابية خلال فترات الخطر المرتفع، وتوجيه المواطنين نحو الفضاءات المرخصة كالحظائر الوطنية والمواقع المهيأة، بمرافقة قوية من المجتمع المدني عبر أكثر من 2,500 جمعية بيئية منخرطة في التوعية.
  3. التقييم والتعافي: بعد إخماد النيران، تعود طائرات الدرون لمسح المناطق المتضررة بدقة، حيث تحسب الخوارزميات المساحات المحترقة بدقة ونوع الغطاء النباتي الخاسر، لوضع خطط إعادة تشجير علمية ومدروسة.

تحديات وآفاق مستقبلية

رغم الإمكانات الهائلة والقفزة اللوجستية وال تكنولوجية التي تشهدها حملة 2026، فإن التجسيد الكامل والميداني يتطلب تجاوز تحديات ملموسة. يتطلب نشر شبكات الجيل الخامس وتوسيع نطاق تغطيتها في الأعماق الغابية استثمارات مستمرة في البنية التحتية للاتصالات. كما تبرز الحاجة الماسة إلى تكوين متخصص وتدريب تقني مستمر للكوادر البشرية؛ فالانتقال إلى إدارة الكوارث بالدرون والذكاء الاصطناعي يتطلب طيارين محترفين ومحللي بيانات قادرين على مواكبة سرعة الآلة.

لقد أثبتت التجربة الجزائرية أن الاستثمار في التكنولوجيا الاستباقية يقلل من الفاتورة الاقتصادية والبيئية للكوارث الطبيعية بشكل جذري. إن دمج الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والجيل الخامس في استراتيجيات مكافحة حرائق الغابات في الجزائر ليس مجرد خيار تحديثي، بل هو حتمية وطنية لحماية التنوع البيولوجي، والحفاظ على الرئة الخضراء للبلاد للأجيال القادمة. السماء اليوم لم تعد تمطر فقط بالماء لإخماد النيران، بل تُمطر أيضاً بالبيانات والحلول الذكية لحماية الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى