الشرق الأوسط

صور اللبنانية تحت النار: عندما ينتقم الاحتلال من التاريخ

حِقد الاحتلال على مدينة صور اللبنانية وتدميرها لا يمكن تبريرهما بدوافع عسكرية بحتة، بل هو إجرام مدروس لمحو الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ على مزاجه العنصري، فالمحتل مسكون بعقدة النقص، وهو يكره التاريخ لأنه بلا تاريخ، فالمدينة قديمة جدا (4700 سنة قيل الميلاد)، كما أنه فقد فيها مطلع الثمانينات أكثر من 100 جندي في ضرية واحدة على دفعتين.

ما يجري في مدينة صور اللبنانية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد فصل عابر من فصول التصعيد العسكري في جنوب لبنان، بل هو مشهد صادم لمدينة تُستهدف في عمقها التاريخي والإنساني، تحت وقع قصف صهيوني عنيف طال أحياءها ومبانيها ومحيطها الحضري، وأعاد إلى الواجهة سؤالا أكبر من العدوان نفسه: ماذا تبقّى من الإنسانية حين يتحول التاريخ إلى هدف؟

صور ليست مدينة عادية.. إنها واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وواحدة من أعمدة الحضارة الفينيقية التي شكلت جزءا من ذاكرة المتوسط القديم.. مدينة وُلدت قبل آلاف السنين من الميلاد، وراكمت عبر قرون طويلة طبقات من التاريخ والتجارة والثقافة والهوية، حتى أصبحت أشبه بمتحف حي مفتوح على الزمن.

ومع ذلك، يبدو أن هذا العمق التاريخي لم يعد في نظر آلة الحرب الصهيونية عنصر حماية، بل أصبح اجراما مدروسا. فحين تُقصف مدينة بهذا الثقل الحضاري، فإن السؤال لا يعود عسكريا فقط، بل أخلاقيا وحضاريا بامتياز.

إن ما يقوم به الكيان الصهيوني في هذا السياق لا يمكن فصله عن نمط متكرر من التعامل مع الجغرافيا بوصفها مساحة صراع مجردة من ذاكرتها، لكن المدن ليست خرائط فارغة، ولا أرقاما في بيانات عسكرية. المدن هي ذاكرة الشعوب، وحين تُستهدف مدينة مثل صور، فإن ما يُقصف فعليا ليس الحجر فقط، بل حلقات كاملة من التاريخ الإنساني.

من غير الممكن أيضا تجاهل أن استهداف المدن التاريخية يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، الذي يُفترض أن يحمي المواقع ذات القيمة الثقافية والحضارية من التدمير أثناء النزاعات، غير أن الواقع على الأرض يكشف مرة أخرى عن فجوة عميقة بين النصوص القانونية وميزان القوة.

إن ما يحدث في صور اليوم يعكس خللا أخلاقيا في إدارة الحروب الحديثة، حيث تتراجع الاعتبارات الإنسانية أمام منطق القوة النارية، ويتحول التراث إلى خسارة جانبية، بينما هو في الحقيقة خسارة مركزية تمسّ ذاكرة البشرية جمعاء.

وفي ظل هذا التصعيد الخطير وغير المسبوق، لا يمكن المرور على مشهد كهذا بصمت أو حياد بارد، فاستباحة مدينة بهذا العمق الحضاري ليست تفصيلا في نشرة أخبار، بل جرح مفتوح في الضمير الإنساني. إن العالم الذي يسمح بتكرار هذا المشهد دون مساءلة حقيقية، يساهم بشكل غير مباشر في تطبيع فكرة أن التاريخ يمكن أن يُمحى بالقوة، وأن المدن يمكن أن تُختزل إلى أهداف عسكرية بلا روح.

صور اليوم لا تبكي فقط على ما دُمّر من أبنيتها، بل على ما يُهدد من هويتها وذاكرتها، وهي بذلك تتحول إلى رمز جديد لسؤال قديم لم يجد بعد إجابته: هل تبقى الإنسانية قادرة على حماية نفسها من نفسها؟

إن صمت العالم أمام ما يحدث ليس موقفا محايدا، بل جزء من العدوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى