أفريقياالأخبار

صراع الأجنحة يهزّ المخزن.. «جبروت» يعرّي حرب المخابرات في المغرب

لم تعد فضيحة «جبروت» مجرد قصة قرصنة إلكترونية أو تسريب عابر لوثائق حساسة. ما يتكشف تباعا يرسم صورة أكثر خطورة بكثير: منظومة أمنية مغربية تتآكل من الداخل، وتسريبات تضرب في عمق الأجهزة التي يفترض أن تكون الأكثر تحصينا في دولة المخزن.

كشفت صحيفة ABC الإسبانية، في تحقيق حصري، عن تفاصيل جديدة ومثيرة بشأن واحدة من أوسع عمليات تسريب البيانات التي طالت أجهزة الاستخبارات والأمن المغربية، مقدمة للمرة الأولى رابطا مباشرا بين التسريبات وبين المهدي حجاوي، المسؤول السابق في المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، جهاز الاستخبارات الخارجية التابع للمنظومة الأمنية المغربية.

وبحسب ما أوردته الصحيفة استنادا إلى مصادر استخباراتية ووثيقة تعريفية رسمية قالت إنها حصلت عليها، فإن حجاوي، الذي تصفه ABC بأنه كان من كبار المسؤولين داخل DGED، يرتبط بتسريب المعطيات التي نشرتها مجموعة «جبروت» على الإنترنت، ومن أبرزها قائمة ضخمة تضم 70,381 اسما لأشخاص تقول المجموعة إن لهم صلات بأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية.

70 ألف اسم.. تسريب يكشف هشاشة المنظومة الأمنية المغربية

تحولت قضية «جبروت» خلال شهر أوت الماضي إلى مصدر قلق حقيقي للأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، بعدما بدأت المجموعة في نشر كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بأشخاص يُعتقد أنهم يعملون أو يتعاونون مع أجهزة الأمن والاستخبارات.

وتفيد تقارير إعلامية إسبانية بأن البيانات المسربة تحتوي على 70,381 اسما، إلى جانب معلومات تعريفية أخرى. وفي المقابل، شرعت أجهزة إسبانية، من بينها المركز الوطني للاستخبارات (CNI) والشرطة الوطنية، في فحص الأسماء ومقارنتها بقواعد بياناتها.

ولم تتوقف ارتدادات التسريب عند حدود المغرب، إذ ظهرت ضمن البيانات أسماء مرتبطة بمصالح دبلوماسية وقنصلية مغربية في إسبانيا. ووفقا لتقارير إسبانية، وردت أسماء خمسة أشخاص مرتبطين بالسفارة المغربية في مدريد، فضلا عن مسؤولين قنصليين في عدد من المدن الإسبانية.

المهدي حجاوي.. رجل من قلب جهاز الاستخبارات

تقدم ABC المهدي حجاوي باعتباره شخصية أمنية بارزة شغلت منصبا رفيعا داخل المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، المسؤولة عن الاستخبارات الخارجية المغربية. وبحسب الصحيفة، وصل حجاوي إلى موقع الرجل الثاني في الجهاز خلف ياسين المنصوري، قبل أن تنتهي علاقته بالمنظومة في خضم صراع داخلي بين مراكز النفوذ داخل الأجهزة الأمنية المغربية.

وترسم ABC صورة لمسؤول سابق كان يتمتع بنفوذ داخل الدوائر الأمنية العليا، قبل أن يدخل في مواجهة مع أجزاء من المنظومة التي كان أحد رجالها. وتربط الصحيفة هذه المواجهة بما تصفه بصراع داخلي بين DGED، المرتبط بياسين المنصوري، وDGST، جهاز الاستخبارات الداخلية والمراقبة الترابية الذي يقوده عبد اللطيف الحموشي.

فرار من المغرب.. توقيف في إسبانيا ثم اختفاء

وفقا للرواية التي أوردتها ABC، غادر حجاوي المغرب سنة 2024، ثم توجه إلى فرنسا، في وقت كانت فيه السلطات المغربية تسعى إلى توقيفه وترحيله. وبعد ذلك انتقل إلى إسبانيا، حيث أوقف في سبتمبر 2024 وأحيل على المحكمة الوطنية الإسبانية في إطار إجراءات مرتبطة بطلب تسليمه إلى المغرب.

وتشير الصحيفة إلى أن المحكمة لم تقرر وضعه في السجن، لكنها فرضت عليه تدابير احترازية، من بينها سحب جواز سفره. غير أن القصة لم تنته عند هذا الحد، إذ تقول ABC إن حجاوي اختفى لاحقا من إسبانيا بمساعدة أشخاص سابقين في أجهزة الاستخبارات الإسبانية، مستخدما هوية مزيفة، قبل أن يعبر عبر تركيا إلى وجهة لم تكشف عنها المصادر.

وتشدد الصحيفة على أن مكان وجوده الحالي غير معروف، مؤكدة أنه لا توجد لديها معطيات تثبت إقامته في كندا. وبحسب مصادر قريبة منه نقلت عنها ABC، فهو موجود خارج أوروبا.

لماذا يبرز اسم حجاوي في قلب القضية؟

يعود ذلك أساسا إلى موقعه السابق داخل جهاز الاستخبارات الخارجية المغربية، وما كان يتيحه له ذلك من إمكانية الوصول إلى معلومات ووثائق بالغة الحساسية. وتقول ABC إن حجاوي غادر المغرب وهو يحمل معه «أسرار دولة ووثائق شديدة الحساسية»، فيما تؤكد مصادر من محيطه أنه يمتلك معلومات عن شخصيات نافذة داخل دوائر الأمن والسلطة.

والأخطر من ذلك أن مصادر مقربة منه، وفقا للصحيفة، تربطه بالتسريبات التي نشرتها «جبروت»، وتعتبره الشخص الذي يقف وراء كشف بيانات تخص عشرات الآلاف من الأشخاص.

وإذا ثبتت هذه الصلة، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد اختراق تقني لقاعدة بيانات، بل بتسريب محتمل من داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في منظومة المخزن.

«جبروت».. منصة تسريبات تحرج أجهزة المخزن

منذ ظهورها، تحولت «جبروت» إلى إحدى أبرز منصات التسريب المرتبطة بالملف المغربي، بعدما نشرت خلال الأشهر الماضية وثائق وبيانات تخص شخصيات ومؤسسات حساسة. لكن ما حدث خلال شهر أوت رفع مستوى القضية بشكل كبير، مع نشر بيانات قالت المجموعة إنها تعود إلى عشرات الآلاف من العاملين أو المتعاونين مع أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية.

فتحقيق ABC الأخير، يقدم قراءة أكثر إحراجا للمنظومة الأمنية المغربية، من خلال طرح احتمال أن تكون التسريبات مرتبطة بصراع داخلي بين أجنحة الأجهزة الأمنية نفسها، مع احتمال امتلاك مسؤولين سابقين أو منشقين إمكانية الوصول إلى المعلومات التي تنشرها المنصة.

حرب النفوذ داخل أجهزة المخزن تعود إلى الواجهة

فرضية الصراع بين أجهزة الاستخبارات المغربية ليست جديدة تماما، فقد تناولت وسائل إعلام إسبانية خلال الفترة الماضية مظاهر تنافس داخل المنظومة الأمنية، خصوصا بين DGED المكلفة بالاستخبارات الخارجية وDGST المسؤولة عن الاستخبارات الداخلية والمراقبة الترابية ومكافحة التجسس والإرهاب.

وفي أوت 2025، تحدث الصحفي الإسباني المتخصص في الشأن المغربي إغناسيو سيمبريرو عن احتمال وجود صراع داخل الأجهزة، عقب سلسلة من التسريبات التي استهدفت مسؤولين أمنيين مغربيين، كما أشار إلى اسم حيجاوي باعتباره إحدى الفرضيات المرتبطة بالوصول إلى الوثائق المسربة.

وعليه، فإن تحقيق ABC لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن سياق سبقته خلال أكثر من سنة تقارير وتكهنات بشأن تسريبات متتالية واحتمال وجود مصادر من داخل المنظومة الأمنية المغربية نفسها.

من فضيحة «بيغاسوس» إلى زلزال «جبروت»

وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى السجل السابق للمغرب في مجال التجسس الإلكتروني. فقد اتهمت تحقيقات دولية أجهزة الأمن المغربية باستخدام برنامج Pegasus لاستهداف هواتف عدد من الشخصيات السياسية والصحفية، ومن بينها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. كما أعلنت الحكومة الإسبانية سنة 2022 اكتشاف إصابة هاتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وهواتف وزراء آخرين ببرنامج تجسس.

ومن هذا المنطلق، فإن احتمال امتلاك مسؤول استخباراتي سابق لوثائق أو معلومات مرتبطة بعمليات تجسس سابقة يضفي أهمية إضافية على التسريبات الحالية، إذا ما ثبتت صحتها ومصدرها. وتقول ABC إن حيجاوي قد يمتلك مواد مرتبطة بعمليات سرية سابقة، بما في ذلك معلومات تتعلق ببرنامج Pegasus وملفات أخرى شديدة الحساسية.

ضربة تهز صورة المخزن الأمنية

تكمن خطورة القضية، حسب ما نشره تحقيق ABC، في أنها قد تتجاوز بكثير فكرة تعرض مؤسسة حكومية لاختراق إلكتروني.

فامتلاك مسؤول سابق في جهاز استخباراتي لوثائق وبيانات حساسة، ثم وصول هذه المعطيات إلى جهة تنشرها على نطاق واسع، يفتح الباب أمام احتمال وجود تسريب بشري من داخل المنظومة الأمنية، وليس مجرد عملية قرصنة تقليدية.

كما أن كشف بيانات آلاف الأشخاص المرتبطين بأجهزة الأمن والاستخبارات قد يترك آثارا طويلة الأمد على شبكات العمل السري، والمصادر البشرية، والعمليات الخارجية المغربية.

وبذلك، يضيف تحقيق ABC الإسباني حلقة جديدة إلى ملف «جبروت»، بعدما وضع للمرة الأولى اسما محددا في صلب واحدة من أكبر عمليات تسريب البيانات التي هزت المنظومة الأمنية المغربية خلال السنوات الأخيرة: المهدي حيجاوي، المسؤول السابق في DGED.

فالقضية تتجاوز وصفها بعملية قرصنة واسعة، لتتحول إلى أزمة استخباراتية وأمنية من داخل منظومة المخزن نفسها، تكشف حجم الصراعات الداخلية وهشاشة آليات حماية المعلومات داخل الأجهزة المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى